الشعائر الحسينية... عبادة لا استعراض..

بقلم: عادل الزركاني

المسيرة الحسينية شعيرةٌ من شعائر الله، وهي شكلٌ من أشكال العبادة التي تحمل أبعادًا ومعانيَ عميقة، تتجاوز المظهر إلى الجوهر، وتجمع بين إظهار الحبّ، والاعتزاز بالهوية الدينية، والتعبير عن التضامن والمواساة , إنها ليست مجرّد طقس، بل من الأعمال التي نتقرّب بها إلى الله، كما نتقرب إليه بالصلاة والصيام وسائر العبادات, بل إن العبادات، على اختلاف صورها، إذا فُقِد منها ركنٌ، أو انحرف مسارها، تصبح باطلة أو منقوصة الأثر؛ لأن العبادات مترابطة في غايتها، موحّدة في جوهرها, لقد استُشهد الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل الدين، من أجل الصلاة، من أجل القيم والحرية والعفّة والحجاب والأخلاق، ومن أجل مقاومة الظلم والطغيان, فالشعائر الحسينية ليست طقسًا ينتهي، ولا "شباك غفران" كما في الفكر الكنسي، بل هي جزء حيٌّ من المسيرة التربوية والعقائدية، للمسلمين وغير المسلمين، ومدرسة كبرى حاملة للقيم السامية، معبرة عن الأهداف النبيلة، حافظة لجوهر الإنسان، ومانعة له من الانحدار إلى الجاهلية في ممارساتها وأساليبها , ومن أعظم أهداف الشعائر: تحرير الإنسان من كل استعبادٍ مادّي أو فكري، ليكون عبدًا خالصًا لله وحده، وكسر القيود التي تجرّه إلى الجهل والظلمات , الشعائر ليست مجرّد حركات أو مظاهر، بل هي ترجمة صادقة لأحاسيس الولاء، وهواجس الوجدان الحسيني، تُمارَس بصدق وبنيّة المواساة والعزاء، لا بنيّة الاستعراض أو التصنّع , ومع الأسف، نرى قبل أيام من محرّم مظاهر مخالفة من لباس وألفاظ وانحطاط سلوكي، ثم في محرم أو أثناء المسيرة الأربعينية، نرى ذات الأشخاص يشاركون في توزيع الطعام أو التظاهر بالمشاركة. ومن هؤلاء – وغيرهم – من يسعى للشهرة، أو يقوم بتصرفات صبيانية مثيرة، تخالف الذوق العام، وتبتعد عن الورع والاحترام الذي عُرف به أهل الشعائر. وهي ممارسات إما تشويه متعمد، أو جهل غير مسؤول بهذه المسيرة المباركة , ومن واجب كل محبٍّ وموالٍ للحسين (عليه السلام) أن يحمي هذه الشعائر المقدسة، وألا يُخدع بتبريرات سطحية مثل: "لا تكونوا أنبياء"، أو "كلنا مذنبون"، أو "الله هو يحاسبهم"، فهذه العبارات تُستخدم لتبرير الأخطاء، بينما أصحابها أنفسهم لا يقبلون بمثل هذه الأعذار في مناسباتهم الخاصة، ولا يسمحون – على سبيل المثال – بدخول قارئ قرآن أو امرأة محجبة إلى حفلاتهم الخاصة بدعوى "عدم المناسبة", فكيف يريدون أن يندسّوا في المسيرة الحسينية ليمارسوا ما لا يليق، باسم النية أو الحرية؟! من يدافع عنهم هو منهم، وإن تظاهر بخلاف ذلك، لأنه ينتظر الفرصة للعودة إلى أحضانهم، كما فعل غيره , ولا يصح أن يُغطى على الإساءة باسم النيّات. فنحن لا نحاسب، نعم، لكن لا نقبل الخطأ، ولا نبرّره، ولا نسمح له بأن يشوّه وجه الحسين (عليه السلام) , أيها الحسينيون، أنتم أبناء الحسين، وعزاؤكم فيه أعظم من عزاء الأب أو الأخ أو شيخ العشيرة. فهل ترضون أن تحدث مثل هذه المظاهر في مجلس عزاء أبيكم؟! إن لم تقبلوها هناك، فكيف ترضونها في عزاء سيد الشهداء؟! فبذمّتكم... لا تسمحوا بهذه الممارسات , وجّهوها بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن لم يُجْدِ النصح، فلا تستقبلوا من يُصرّ على التشويه , وكذلك بالنسبة للنساء: فالمرأة غير المحتشمة تُنصح أولًا، فإن التزمت بالحشمة والآداب، فأهلاً بها وسهلاً، وإلا، فإن من تأتي بنية الاستعراض أو التصوير المسيء، لا ينبغي أن تُسمح لها بالدخول، لأن القضية أكبر من مجاملة، وأعظم من مظهر.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة