الجمعة، 25 يوليو 2025

 "ثمّة بونٌ شاسعٌ بين من يرتقي بذاته نحو الطهارة، ومن يرضى لنفسه مهاوي الدناءة. ولعلّ أعظم ما يعذّب أهل الصغار هو رؤية الطيبين في مقاماتهم الرفيعة، فيحاولون عبثًا تلويث نقائهم، غير مدركين أنّ الطهارة لا تُنال بتدنيس غيرهم، وأنّ السموّ لا يُدرك بالجرح، بل بصفاء الذات وعلوّ الهمة."


الأربعاء، 23 يوليو 2025

 الخدمة الحسينية.. عبادة الجهر بالإصلاح

بقلم: عادل الزركاني

في ساحة الخدمة الحسينية تتساقط الألقاب وتذوب العناوين، فلا سيادة إلا لاسم "خادم الحسين (ع)"، ولا شرف يعلو على شرف الانتماء إلى هذا المقام العظيم. فالخدمة هنا ليست وجاهة اجتماعية ولا فرصة لذاتٍ تبحث عن اعتراف الآخرين، بل هي مقام روحي يُنال بالإخلاص، ويتألق بالنوايا الصافية وحدها , إن العبادات المفروضة والمسنونة – كالصلاة والصوم والحج والزكاة – تشترط خلوص النيّة لتكون مقبولة، وإن أُديت بلا صفاء قلب صارت مجرّد حركات جسدية وتعب نفسي بلا أثر  , أمّا الشعائر الحسينية فطبيعتها تختلف: فهي دعوة علنية، وإصلاحٌ جهوريّ الصوت، لا تتحقق روحها إلا عندما تُعلن أمام الناس، لأنّ جوهرها ليس العبادة الذاتية فحسب، بل الرسالة العامة التي تُلقي بظلالها على كل إنسان، في كل زمان ومكان.. هي كيمياءٌ اجتماعية وروحية تعمل بالعلن لا بالخفاء، هدفها الإصلاح والتغيير وبثّ القيم التي نهض لأجلها الحسين (ع): قيم الحق والعدل والكرامة. ولهذا فإن إقامة المجالس، ورفع الرايات، ولبس السواد، والسير في المواكب، والتبرع لإقامة الشعائر، كلها ليست مجرد عادات أو طقوس، بل هي إعلان جماعي بأن قضية الحسين حيّة، وأنّ الإنسان ما زال يرفض الظلم والانحراف , لكن، ويا للمفارقة، هناك من يحاول اختزال ثورة الحسين في زاوية ضيقة، أو يستثمرها شعارًا بلا مضمون، فيظهر بمظهر الداعي إلى الإصلاح وهو أبعد ما يكون عن نهجه. هؤلاء يضحكون على العقول الساذجة، لأنّ منطق الثورة الحسينية واضح: إصلاح الفرد والمجتمع، ومواجهة الظالم، وتحرير الإنسان من عبودية الهوى والسلطان.

  إن خدمة الحسين ليست مجرد عمل موسمي، بل هي موقف فلسفي ووجودي: أن تكون حيث يقف الحق، وأن ترفض الظلم كما رفضه الحسين، وأن تظلَّ صادقًا في دعوتك كما كان صادقًا في شهادته. ومن لم يدرك هذا البعد، فشعائره ناقصة وإن علت أصواتها، لأنه لا يكفي أن ترفع راية الحسين... بل يجب أن تسلك طريقه.

 


الثلاثاء، 22 يوليو 2025

 هل ظلمت الزهراء؟ هل شرّع النبي ما يخالف العدل؟

بقلم: عادل الزركاني

سؤالٌ عميق ومصيري، يتعلّق بإحدى القضايا المحورية في التاريخ الإسلامي، قضيةٍ لم تكن مجرد خلاف على قطعة أرض أو إرث مالي، بل كانت اختبارًا حيًّا لمفهوم العدالة، ومِحكًّا حقيقيًّا لمكانة أهل البيت في الأمة. إنها قضية فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ابنة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، التي مُنعت من إرث أبيها، وقيل لها: "ما تركه رسول الله صدقة، لا يُورث!", وهنا يُطرح السؤال الأشد خطورة: هل ظُلمت الزهراء؟ وهل شرّع النبي ما يخالف العدل الإلهي؟ وهل يصح أن تُعامل بنت النبي كما تُعامل سائر نساء قريش؟ , فإن سلّمنا – مجازًا – مع من يقول إن للنبي خصوصية تشريعية، وإن ابنته تُعدّ كأي امرأة من نساء المسلمين، فكيف لم تُمنع نساء النبي من الميراث؟ زوجاته جميعًا ورثن بيوته، وأخذن حصتهن من الثمن، كما نصّت عليه الشريعة. أما فاطمة، وهي ابنته الوحيدة، فإنها – بحسب نصوص القرآن – ترث النصف إن لم يكن معها أخت، فأين ذهب هذا الحق؟! بل إنها كانت تسكن في بيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلو لم تكن متزوجة، لأجاز فقه الواقع أن تُخرج من بيت أبيها وتُلقى في الطريق! , ولكن الزهراء (عليها السلام) لم تطالب بدافع دنيوي، وإنما خرجت لتُقيم الحجة على الأمة، وتدافع عن المبدأ، وتكشف الغصب. فهي الزاهدة العابدة، التي مجلت يداها من الطحن على الرحى في حياة النبي، فهل كانت تطمع في مال الدنيا بعد رحيله؟! , طالبت فاطمة بفدك، الأرض التي كانت في يدها، والتي وهبها النبي لها في حياته كما رُوي. لكن أبا بكر رفض، واستند إلى حديث منسوب إلى النبي: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة... فقابلته الزهراء بالقرآن، وقالت – كما رُوي عنها:"أترثك بناتك ولا أرث أبي؟!" , وهنا تقف آيات الله ناطقةً بالحق: "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ...وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ...يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ...كل هذه النصوص تدل على أن الأنبياء يورّثون، فهل يُلغى هذا الحكم الصريح بحديث آحاد، لم يروه إلا راوي واحد، وصار فيما بعد ذريعة لتجريد آل البيت من حقوقهم؟ , خرجت الزهراء غاضبة من مجلس الخليفة، وفي طريقها لقيها عمر بن الخطاب، فسألها:من أين جئتِ يا فاطمة؟", قالت: "من عند أبي بكر، أخبرته أن رسول الله أعطاني فدك، وأن عليًا وأم أيمن يشهدان بذلك، فأعطانيها وكتب بها كتابًا . فما كان من عمر إلا أن أخذ الكتاب، وقال: إن عليًا يجرّ إلى نفسه، وأم أيمن امرأة!" ثم بصق في الكتاب، ومزقه، وخرّقه! , أي احترامٍ هذا لبنت رسول الله؟! أي فقهٍ يبرّر البصق في وثيقة حُقوقية تحمل أثرًا نبوياً؟! وأي إيمان يتغاضى عن غضب الزهراء، وقد قال فيها النبي (صلى الله عليه وآله): فاطمة بضعة مني، من أغضبها فقد أغضبني , وقد قالت الزهراء، كما في صحيح البخاري:"فوالله لأدعونّك في كل صلاة... ولماذا لا يكون العكس عمر هو الذي يجر الى نفسه وهو الذي يجري , ولماذا فعل ذلك وأبو بكر لم يفعل ذلك وهل هو احرص من الخليفة او انه يعلم انه بعده والحكم لهم دون غيرهم , ومن العجب العجاب، أن يُتّهم عمر في "رزية الخميس" بأنه قال: إن رسول الله يهجر، أو (غلبه الوجع!" في قولهم لتخفيف الكلمة ) حين أراد النبي أن يكتب للأمة كتابًا لا تضل بعده، فمُنع من ذلك. وهم أنفسهم الذين مزّقوا كتاب ابنته، وبصقوا فيه، وخرّقوه! فهل لو كُتب كتاب النبي في رزية الخميس، لكان مصيره إلا كمصير كتاب الزهراء؟! النتيجة المؤلمة واحدة: كتاب رسول الله للأمة قد مُنع، وكتاب ابنته مُزّق ومُحِيَ، فأين هي حرمة السنة؟ وأين هو الاحترام لآل محمد؟ ثم يأتي من يُبرر فعل هؤلاء، ويتهم فاطمة بالخروج عن أمر أبيها! فأين النصّ الذي منعها من إرثه؟ وأين هو التشريع الذي يُبطِل القرآن بحديثٍ منفرد؟ لو كانت القضية مجرد حديث، لهان الأمر. لكنه حديثٌ انفرد به راوٍ واحد، وأُقيمت به دولة كاملة صادرت إرث بيت النبوّة باسم الدين! وها هنا يفرض العقل سؤاله:من هو المستفيد من حرمان فاطمة من إرثها؟ , الجواب واضح: الدولة الجديدة، التي أرادت حصر الأموال ببيت المال، ونزع القوة من يد آل محمد (صلى الله عليه وآله)، وإقصاء رموز الوحي , فدك لم تكن محل نزاع في حياة النبي، وكانت في يد فاطمة، فلماذا انتُزعت منها بعده؟! , بل كيف يُقتحم بيتها، وتُفتّش بيوت أهل البيت، ويُدخل عليهم بالقوة بحجّة التفتيش عن مال، أو إخراج علي بن أبي طالب للبيعة؟! , إنها لم تكن حادثة فردية، بل عملية ممنهجة لتهميش أهل البيت، وتمييع حقهم، وتقوية دولة قريش في وجه بيت الوحي , بل حتى الحديث الذي تمسّك به القوم، خالفه عمر بن عبد العزيز – الخليفة الأموي – حين ردّ فدك إلى أولاد فاطمة، وقال أمام مشايخ بني أمية وأهل الشام: فاطمة عندي صادقة فيما تدّعي، وإن لم تقم بينة، وهي سيدة نساء الجنة. وأنا أردّ فدك إلى ورثتها، وأرجو بذلك شفاعة رسول الله يوم القيامة. ولو كنت مكان أبي بكر، وادّعت فاطمة شيئًا، لصدّقتها . فهل من حُسن في خلافةٍ لا تثق بشهادة فاطمة، وهي سيدة نساء الجنة؟ , ويقولون: إن فاطمة ورثت العلم والحكمة، لا المال , فنقول: أين أثر هذا الإرث؟ وأي إرثٍ يُكذّب صاحبته، ويُمزّق كتابها، وتُهان كرامتها؟! , إن كانت فاطمة أعلم الخلق بعد نبي الله، فشهادتها أولى بالقبول، وكلامها امتدادٌ لكلام أبيها، فهل يُبصق في ورقتها وتُخرق؟! , أي أمةٍ هذه، تُمزق كتاب بنت نبيها؟! وأي فقه هذا، يسكت عن الظلم؟! , لسنا ممّن يُطلق التهم جزافًا، لكننا نطالب بإحقاق الحق، ورفع الغطاء عن مظلومية سكت عنها التاريخ طويلًا , فاطمة الزهراء (عليها السلام) لم تكن امرأة عادية، بل كانت ميزان الحق والباطل، ومِحك رضا الله ورسوله , فكيف يُغضبها من نُسبوا إلى الخلافة؟! وكيف يُبرّر ذلك باسم "الاجتهاد"، إن كان الاجتهاد يُبطل آيات الإرث، ويهدر كرامة البضعة الطاهرة؟! , فاطمة الزهراء (عليها السلام) لم تُظلَم من ربها، ولا من نبيها، بل من قومٍ تجاهلوا منزلتها، وأسكتوا حجّتها، وصادروا إرثها، باسم الدين والسلطان , وإنها – كما قال الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) – شهيدةٌ لمظلوميةٍ لم يُكشف عنها النقاب بعد..."


 من يريد إنهاء الحشد يريد فتح أبواب الجحيم مجددًا!

بقلم: عادل الزركاني

كل من يدعو إلى حلّ الحشد الشعبي، إما جاهل لا يقرأ التاريخ، أو عميل ينفّذ أجندات خارجية، وكلاهما يطلب من هذا الوطن أن يُسلم رقبته مجددًا للذبح , إننا نشبه اليوم رجلًا أعزل يقف وسط غابة موحشة، تحيط به الوحوش الكاسرة، ثم يطلب من نفسه أن يُلقي سلاحه أرضًا... هذا بالضبط ما تعنيه دعوات حلّ الحشد الشعبي... ولماذا الحشد؟ , لأنّه هو من لبّى نداء المرجعية حين سقطت المدن وتهاوت المؤسّسات، وهو من دافع عن الأرض والعِرض حين فرّ كثيرون، وتخاذلت قوى دولية كانت تراقب المشهد من بعيد... حتى دول التحالف، رغم أن الإرهاب كان في يومٍ من الأيام صنيعتهم، اضطر بعضُها للوقوف إلى جانب الحشد حين تبيّن أن المعركة وجودية، وأن من يقف في الميدان هو الشعب نفسه بسلاحه وإرادته , فمن يُنكر دور الحشد، يُنكر انتصار العراق على الجريمة المنظمة العالمية التي حملت اسم "داعش"، ويتعامى عن حقيقة واضحة: لولا الحشد، لكانت بغداد اليوم مثل الموصل 2014… وربما أسوأ , والجحيم ليس بعيدًا! انظروا إلى ما يحدث في سوريا: إعدامات في الشوارع، جرائم موثّقة بالصوت والصورة، نساء وأطفال وشيوخ يُذبحون بدم بارد، وبطابع طائفي علني لا يخجل , تصفيات جسدية متوحشة بأساليب لم يعرفها حتى التاريخ، بينما أمريكا وبريطانيا تبدوان وكأنهما تباركان ما يحدث، أو تتغاضيان عنه عن عمد , ومن يُهلّلون لتلك الجرائم شعارهم واحد:جايينك يا كربلاء" فماذا يُراد بعد؟! , أليس الحشد هو السدّ المنيع الذي منع هذا الطوفان من الوصول إلى كربلاء وبغداد والنجف والبصرة؟! وهل ننسى 2014؟ , سيخرج علينا بعض الجهلة أو المأجورين ليقولوا:الدولة موجودة، والجيش والشرطة حاضران"،لكن لنُذكّرهم: ألم يكونوا كذلك عام 2014؟! ما الذي منع داعش من اجتياح العراق؟ من حرّر المدن؟ من استرجع الكرامة؟! , الحشد الشعبي هو اليوم جزء من القوات المسلحة العراقية بموجب القانون والدستور، فما الضرر من أن يكون هناك جيش رديف يعزز قوة الدولة بدلًا من إضعافها؟! , ازدواج المعايير واضحة , إيران – وهي جارة كبرى – تمتلك جيشًا نظاميًا يُعد من أقوى جيوش المنطقة، ومع ذلك لديها الحرس الثوري , وكردستان العراق لديها البيشمركة والأسايش، وهما جزء لا يتجزأ من أمن الإقليم والدولة , فلماذا إذًا كل هذا الإصرار على تذويب الحشد وتغييب اسمه؟!

هل يُراد منّا أن نُعيد التجربة من الصفر؟ أن نعود إلى المربع الأول؟!, الحشد… لا يشبه غيره , لم يقتل الحشد الأبرياء، لم يرفع شعارات طائفية، لم يتحوّل إلى عصابة أو أداة قمع، كما فعلت بعض جيوش المنطقة , بل كان الحشد ولا يزال عنوانًا للفداء، وصوتًا للوطن، وجسرًا للعبور من الهزيمة إلى النصر , لا وقت للعبث! اليوم، المنطقة تغلي، والمشروع الصهيوني يمدّ خارطته الكبرى أمام العالم علنًا، والتحركات تُرصد، والمؤامرات تُفكك , فهل هذا هو الوقت المناسب للعبث بالأمن الداخلي؟ هل هذه هي اللحظة لتأجيج الشارع بحجج الكهرباء والخدمات؟! , لسنا ضد التظاهر السلمي، ولسنا ضد المطالبة بالحقوق، لكننا ضد تحريك الشارع عن بُعد، في لحظة مشبوهة، لأهداف مشبوهة!

الانتخابات قادمة… فصوّتوا ولا تخربوا , الانتخابات على الأبواب، وهي الوسيلة الأفضل لاختيار ممثلين جدد، ولتغيير الواقع عبر الطرق الدستورية , فلا تُخربوا الوطن بتهوّر، ولا تسيروا نحو المجهول , من يريد إنهاء الحشد… يريد فتح أبواب الجحيم مجددًا، ونحن لن نسمح بذلك.


الاثنين، 21 يوليو 2025

 

الشعائر الحسينية... عبادة لا استعراض..

بقلم: عادل الزركاني

المسيرة الحسينية شعيرةٌ من شعائر الله، وهي شكلٌ من أشكال العبادة التي تحمل أبعادًا ومعانيَ عميقة، تتجاوز المظهر إلى الجوهر، وتجمع بين إظهار الحبّ، والاعتزاز بالهوية الدينية، والتعبير عن التضامن والمواساة , إنها ليست مجرّد طقس، بل من الأعمال التي نتقرّب بها إلى الله، كما نتقرب إليه بالصلاة والصيام وسائر العبادات, بل إن العبادات، على اختلاف صورها، إذا فُقِد منها ركنٌ، أو انحرف مسارها، تصبح باطلة أو منقوصة الأثر؛ لأن العبادات مترابطة في غايتها، موحّدة في جوهرها, لقد استُشهد الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل الدين، من أجل الصلاة، من أجل القيم والحرية والعفّة والحجاب والأخلاق، ومن أجل مقاومة الظلم والطغيان, فالشعائر الحسينية ليست طقسًا ينتهي، ولا "شباك غفران" كما في الفكر الكنسي، بل هي جزء حيٌّ من المسيرة التربوية والعقائدية، للمسلمين وغير المسلمين، ومدرسة كبرى حاملة للقيم السامية، معبرة عن الأهداف النبيلة، حافظة لجوهر الإنسان، ومانعة له من الانحدار إلى الجاهلية في ممارساتها وأساليبها , ومن أعظم أهداف الشعائر: تحرير الإنسان من كل استعبادٍ مادّي أو فكري، ليكون عبدًا خالصًا لله وحده، وكسر القيود التي تجرّه إلى الجهل والظلمات , الشعائر ليست مجرّد حركات أو مظاهر، بل هي ترجمة صادقة لأحاسيس الولاء، وهواجس الوجدان الحسيني، تُمارَس بصدق وبنيّة المواساة والعزاء، لا بنيّة الاستعراض أو التصنّع , ومع الأسف، نرى قبل أيام من محرّم مظاهر مخالفة من لباس وألفاظ وانحطاط سلوكي، ثم في محرم أو أثناء المسيرة الأربعينية، نرى ذات الأشخاص يشاركون في توزيع الطعام أو التظاهر بالمشاركة. ومن هؤلاء – وغيرهم – من يسعى للشهرة، أو يقوم بتصرفات صبيانية مثيرة، تخالف الذوق العام، وتبتعد عن الورع والاحترام الذي عُرف به أهل الشعائر. وهي ممارسات إما تشويه متعمد، أو جهل غير مسؤول بهذه المسيرة المباركة , ومن واجب كل محبٍّ وموالٍ للحسين (عليه السلام) أن يحمي هذه الشعائر المقدسة، وألا يُخدع بتبريرات سطحية مثل: "لا تكونوا أنبياء"، أو "كلنا مذنبون"، أو "الله هو يحاسبهم"، فهذه العبارات تُستخدم لتبرير الأخطاء، بينما أصحابها أنفسهم لا يقبلون بمثل هذه الأعذار في مناسباتهم الخاصة، ولا يسمحون – على سبيل المثال – بدخول قارئ قرآن أو امرأة محجبة إلى حفلاتهم الخاصة بدعوى "عدم المناسبة", فكيف يريدون أن يندسّوا في المسيرة الحسينية ليمارسوا ما لا يليق، باسم النية أو الحرية؟! من يدافع عنهم هو منهم، وإن تظاهر بخلاف ذلك، لأنه ينتظر الفرصة للعودة إلى أحضانهم، كما فعل غيره , ولا يصح أن يُغطى على الإساءة باسم النيّات. فنحن لا نحاسب، نعم، لكن لا نقبل الخطأ، ولا نبرّره، ولا نسمح له بأن يشوّه وجه الحسين (عليه السلام) , أيها الحسينيون، أنتم أبناء الحسين، وعزاؤكم فيه أعظم من عزاء الأب أو الأخ أو شيخ العشيرة. فهل ترضون أن تحدث مثل هذه المظاهر في مجلس عزاء أبيكم؟! إن لم تقبلوها هناك، فكيف ترضونها في عزاء سيد الشهداء؟! فبذمّتكم... لا تسمحوا بهذه الممارسات , وجّهوها بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن لم يُجْدِ النصح، فلا تستقبلوا من يُصرّ على التشويه , وكذلك بالنسبة للنساء: فالمرأة غير المحتشمة تُنصح أولًا، فإن التزمت بالحشمة والآداب، فأهلاً بها وسهلاً، وإلا، فإن من تأتي بنية الاستعراض أو التصوير المسيء، لا ينبغي أن تُسمح لها بالدخول، لأن القضية أكبر من مجاملة، وأعظم من مظهر.


 

يعود التاريخ بوجه أكثر قبحًا..

بقلم: عادل الزركاني

لقد تحدث أئمة أهل البيت (ع)، كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، عن أن "الشجرة الملعونة" في القرآن هي آل أمية، وأنهم نهج الشيطان في الأرض، وأعداء الدين، ومحاربو آل محمد (ص)، ورغم وضوح هذا المعنى، رفض البعض هذه الحقيقة، وآثر آخرون أن يطووا صفحة الماضي، قائلين: "نحن أبناء الحاضر لا أبناء التاريخ". لكن الواقع المرير الذي عشناه ونعيشه في سوريا، وقبله العراق – من إرهاب وقتل وسبايا، وبيعٍ للنساء في الأسواق، وتمثيل بالجثث، وقطع للرؤوس، وحرق للأجساد – يعيد إلى الذاكرة سيرة الأمويين بكل وحشيتها، ويذكّرنا بمدرستهم التي أسسها معاوية ويزيد، ومن سار على نهجهم، هذه ليست حوادث عشوائية، بل هي تجلٍّ حيٌّ لفكر التوحش، ولعقيدة الدم، ولسلوك الغزوات والفتوحات التي زُيّنت بشعار "نشر الإسلام"، بينما حقيقتها كانت قتل الأبرياء، ونهب الثروات، واستعباد الشعوب.

فأيّ إسلامٍ هذا؟! أهو إسلام محمد بن عبد الله (ص) الذي بُعث رحمةً للعالمين؟ أم إسلام بني أمية الذي قام على السيف والسلطة والدم والفساد؟، إنّ ما يحدث اليوم في بعض بقاع العالم الإسلامي، ما هو إلا تكرارٌ لتاريخٍ تمّ تجاهله، أو التواطؤ في طمسه، لكنه عاد إلينا بوجهه القبيح، ليكشف أن مدرسة آل أمية لم تمت، وأن فكرهم ما زال حيًّا يُعاد إنتاجه بأسماء مختلفة، وبخطابات مزيّفة، تحت رعاية أجهزة استخباراتية عالمية... العالم المتحضر – كما يزعم – يرى بأمّ عينه هذه الجرائم، لكنه لا يحرك ساكنًا. يتفرجون، وكأنهم يقولون: "اقتُلوا الأقليات، خاصّة تلك التي ليس لها دول كبرى تساندها".، والأدهى من ذلك، أن رأس الإرهاب في الشمال السوري، الجولاني، ينظّم فعالياته تحت حماية دولية مكشوفة، ويُسمح له بالحديث والعمل بحرية، رغم أنه صنيعة تحالف واضح بين جماعات تكفيرية وأجهزة أمريكية. الغرب يعرف ذلك تمامًا، لكن أين شعاراتهم عن "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية"؟! إنها شعارات عوراء، لا تُستخدم إلا لتبرير التدخل في شؤون المسلمين، وابتزاز شعوبهم، وتحطيم من يقف في وجه هيمنتهم، كما تفعل إيران، التي لم تحتل بلدًا، بل دعمت حركات مقاومة ومؤسسات في وجه الصهاينة والتكفيريين، وهو أمر طبيعي ومشروع، كما تفعله الدول الأخرى علنًا وسرًّا، أما من احتلّ البلدان، وأسقط الحكومات، ونهب الثروات، ويأخذ الجزية علنًا من "حلفائه" في الخليج، واصفًا إياهم بـ"البقرة الحلوب"، فهؤلاء لا يعرفون خجلًا ولا كرامة.

ولا حاجة للحديث عن بعض الحكام، فهم بلا شرف ولا مروءة، وأما الغطاء الطائفي الذي يُستخدم اليوم لتبرير الجبن والخيانة، فقد فضح أصحابه، تمامًا كما كشف التاريخ جبن ابن العاص حين أظهر عورته في الميدان، خوفًا من سيف عليٍّ (ع).


السبت، 19 يوليو 2025

 الدين لو الوطن أولى ؟

ليس بين الدين والوطن صراع، بل الصراع الحقيقي في العقول الساذجة , فالدين أكبر من أن يُقاس بالمادة، لأنه عقيدة تتجاوز حدود الزمن، وتبقى معنا حتى بعد الموت. أما الوطن، فهو إطار يحتضن أبناءه، وقد يحتضنهم أو لا, فكم من أبناء طُردوا من أوطانهم، واحتضنتهم غربات بعيدة! , كما قيل: الغربة مع المال وطن، والفقر في الوطن غربة , لكن الدين ليس كذلك. لا يُستبدل، لا يُشترى، ولا يُباع , لأنه ارتباط بالحق، والتزام بالقيم، وتجسيد للأخلاق , من ترك وطنه ظلّ يحمل اسمه، ومن تخلّى عن دينه خسر هويته , إن الوطن قد يخذلنا في لحظة، أما العقيدة فلا تخذل صاحبها أبدًا , وكم من غرباء جاؤوا وضحّوا بأرواحهم من أجل العراق لا لأنه وطنهم بالولادة، بل لأن فيه مراقد أهل البيت، لأن فيه قداسةً تستحق أن تُفدى، ورموزًا لا تُنسى , بل كم من وصايا رجال أوصوا أن يُدفنوا في النجف، رغم أن بلدانهم على بعد آلاف الكيلومترات، لأن الرابط كان العقيدة، لا الجغرافيا, هذا الحديث ليس ترفًا فكريًا، ولا مجرد جدل بين قوميين ومتدينين، بل واقع يجب أن يُفهَم بعقل وصدق , إنه دعوة للتفريق بين مَن يرفع شعار الوطن من أجل المصالح، وبين من يحمل العقيدة الحقّة من أجل القيم والحق.


الخميس، 17 يوليو 2025

 

دكاكين الفتنة..

 وأعداء آل محمد في السنوات الأخيرة، تزايدت آلاف البثوث المباشرة والمناظرات الموجهة لا لطلب الحقيقة أو نشر الوعي، بل للتهريج وإثارة البغضاء بين الناس، خاصة ما يصدر عن أشخاص مثل: رامي عيسى، ووليد إسماعيل، وهاشم الهندي، وعدنان عرعور، وغيرهم ممّن امتهنوا مهاجمة المذهب الشيعي بصورة ممنهجة. هؤلاء ليسوا دعاة حق ولا باحثين عن إصلاح، بل هم واجهات لمشاريع مدفوعة من جهات سياسية وطائفية لا تريد خيرًا بالناس، بل تسعى إلى إشعال الفتنة , نعم، لا ننكر أن في الوسط الشيعي أيضًا من ابتلي بنفس هذا المنهج، وهم كذلك أدوات بأيدي أطراف لا تقل خطورة، يذكون نيران الطائفية ويكرّسون الكراهية , لقد كانت ولا تزال هذه الفتنة وسيلة للارتزاق، عاش عليها من قبلهم كثيرون، يقتاتون على التحريض والانقسام، بينما عامة الشعوب – بكل أطيافها ومذاهبها – يعيشون معًا، ويتعاملون بسلام، ويقدّر بعضهم عقائد البعض، بل يفخر كثير من الناس بعلاقاتهم الطيبة مع أتباع مذاهب مختلفة  , لكن الخطر يكمن في العدو "الوهمي" الذي زرعه أعداء آل محمد (ص) جيلًا بعد جيل، فزرعوا في الأذهان أن:الشيعة أعداؤكم، الشيعة يجب محاربتهم، الشيعة يجب حرقهم، الشيعة يجب طردهم!"ويا للعجب! فبينما يُحرّضون على الشيعة الموحدين، يتحدثون بلغة التسامح والتعايش مع اليهود وغيرهم، ويغضّون الطرف عن كل ما سواهم! , هذه الأفكار المتحجرة والناقصة، في حقيقتها ليست موجهة ضد الشيعة فحسب، بل هي موجهة ضد علي وآل علي (ع) بصريح العبارة، وضد قيم الإسلام الأصيلة التي تمثّلها مدرسة أهل البيت.

الشيخ عادل الزركاني


الأربعاء، 16 يوليو 2025

 الهجمة على الدين وأهله.. قديمة مستمرة.

الهجوم المنهجي على الدين والمتدينين ليس أمرًا جديدًا، بل هو قديم قِدَمَ الصراع بين الخير والشر، بين أهل الصلاح وأهل الانحراف، منذ اللحظات الأولى من الخليقة. وقد سجّل القرآن الكريم مواقف صريحة تكشف طبيعة هذه العداوة، فحين واجه الأشراف من قوم لوط حملة الانحراف، لم يدّعِ أولئك القوم أنهم أفضل منهم، بل قالوا بوقاحة:{أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون}, أي أنهم يرفضون وجود الطاهرين والعفيفين في مجتمعهم، لأن الطهارة تفضح قذارتهم، والعفاف يكشف انحرافهم، ولهذا طالبوا بطردهم , أما اليوم، فإن التاريخ يُعيد نفسه. فهؤلاء الشواذ فكريًا وسلوكيًا، رغم وضوح أقوالهم وأفعالهم المنحرفة، يحاولون بكل وقاحة أن يتهموا المتدينين ويشوّهوا صورتهم: تارةً بالسخرية، وأخرى بالتشويه، بل ويذهبون أبعد من ذلك حين ينسبون إليهم أفعالًا منحرفة هم وأتباعهم أول من يمارسها , والمصيبة أنهم لا يرون في أنفسهم باطلًا، بل يرفعون صور من مات منهم على أنه "شهيد في سبيل الله"، رغم أنه لا يعرف الله ولا دينه، بل كان ساخرًا من المقدسات، متجاوزًا على القيم، غارقًا في وحل السفالة والتدنّي. والغارق لا يرى ما حوله، كما أن الصرصار الخارج من أنابيب الصرف الصحي يختنق من هواء نظيف لم يعتده، ويموت خارج أجوائه القذرة , هكذا هم، كلما واجهوا نقاءً أو طهارةً أصيبوا بالاختناق! , إنهم لا يرون في القيم والدين سوى "تخلف ورجعية ودجل"، لأنهم غارقون في أيديولوجيات منحرفة، لا يعترفون بغيرها، بل يعتبرون ما سواها خطأً مطلقًا. وعندما يشنّ هؤلاء حربًا ممنهجة على الدين والقيم، فإنهم يفعلون ذلك تحت شعارات كاذبة، لا تختلف كثيرًا عن شعار قوم لوط , وهم اليوم يرددون: "نحن في القرن الواحد والعشرين، وأنتم ما زلتم تتحدثون عن دين، وأخلاق، وحجاب، وعباءة؟", ويزعمون أن هذه الأمور "تقليدية" لا تليق بالأذواق العصرية، وأن التقدّم الحقيقي يكمن في التعرّي والانحلال، وأن الحرية تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء، ولو خالف كل العقائد والأعراف , لكن الحقيقة أن كل سخرية من الشرف هي فضيحة أخلاقية لهم، وكل استهزاء بالعفاف شهادة على إفلاسهم القيمي. فالحرب لم تكن يومًا بسبب عيب في المتدين، بل لأن المتدين يُزعج المنحرف، ويحرجه، ويفضح زيفه .. وإذا سأل أحدهم فتاة سافرة عن سبب هجائها للمحجبة، تقول: "هل كل من تلبس عباءة شريفة؟ "وهي تعلم جيدًا أن الذنب ليس في العباءة، بل فيمن تسيء استعمالها. فالأصل في الحجاب والعباءة أنهما عنوان ستر وعفاف، ومن تخرج عنهما لا تمثل إلا نفسها , لكننا نعيش اليوم في صراع غريب: محجبة تحرص على ألا يظهر شيء من مفاتنها، وسافرة تسعى بكل وسيلة لإبراز كل موضع إغراء، حتى لو لجأت إلى الأطباء لتحسين أو إبراز تلك المناطق، في مشاهد مخجلة لا تمتّ للذوق والحياء بصلة , والأغرب أن هؤلاء — رغم تناقضهم الظاهر — يشاركون أحيانًا في بعض الممارسات الدينية، لا احترامًا لها، بل بهدف خبيث: لتسفيه المقدسات، وتسخيف القيم، وتفريغ الرموز الدينية من معناها. يرتدون العباءة أو يستخدمونها في عروض إعلامية مشوّهة، لا اعترافًا بقداستها، بل لتوصيل رسالة ماكرة: أن هذه الرموز لم تعد لها قيمة , لكن الحقيقة تبقى ساطعة: المحترم يبقى محترمًا، والعفيف عنوانه واضح، مهما قالوا أو فعلوا , والعباءة ليست مجرد قطعة قماش، بل هي راية من رايات العفة، ورمز أخلاقي عميق، لا يفهمه إلا من تربّى على الطهارة والكرامة , وكل محاولة لتسخيف هذا العنوان الشريف، أو جره إلى وحل الانحراف، لا تعكس إلا شخصية صاحبها، ونوع البيئة التي نشأ فيها، فـفاقد الشيء لا يعطيه , ومن السذاجة أن يُتابَع هؤلاء، أو يُؤخذ كلامهم على محمل الجد، إلا من كان على شاكلتهم… لكنه لم يصرّح بعد!...


الثلاثاء، 15 يوليو 2025

 

الادّعاءات لا تكفي وحدها – الجزء الثاني

الشيخ عادل الزركاني

كيف نميّز هؤلاء المدّعين؟ , وما هي العلامات الفارقة بينهم وبين أهل الحق؟ , من أجل الإجابة، دعونا نستعرض هذه القصة التراثية التي تُجسّد حال المدّعين بأسلوب بسيط وواقعي: يُروى أن رجلًا غريبًا، أبيض اللحية، فصيح اللسان، جاء إلى مدينة وسكن أحد أحيائها الشعبية. كان يخرج كل صباح، يجلس أمام بيته حاملاً قلمًا وكتابًا، حتى المساء , وفي أحد الأيام، اقترب منه أحد شبان الحي مرحبًا وسأله عن سبب مجيئه. فقال له الرجل بثقة:"أنا داعية وعلامة، لا أعمل شيئًا سوى نشر العلم، وقد منحني الله ميزة لا توجد عند غيري: أستطيع أن أُجيب عن أي سؤال في أي علم من علوم الأرض، فورًا، وبلا تردد، وبشكل يقيني , اندهش الشاب مما سمع، وسرعان ما انتشر الخبر في الحي، فتوافد الناس على الرجل، حاملين الهدايا، وبدأوا يطرحون عليه أسئلتهم، وهو يجيب بسرعة مذهلة، بأسلوب يبدو مقنعًا وسلسًا , كبرت الهالة حوله، وبدأت الأحياء المجاورة تتوافد عليه، وظنّوا أنهم أمام عالمٍ رباني قلّ نظيره! , لكن كان هناك شاب متخصّص في الفقه والأدب، راقب الأمر، وأدرك من طريقة الإجابات وحديث الناس أن هذا الرجل محتالٌ بارع، يستخفّ بعقول البسطاء ويستغلّ سذاجتهم , لم يثر الشاب الموضوع مباشرة، بل قال للناس: عند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان. تعالوا نؤلف كلمة لا وجود لها، نأخذ أول حرف من كل اسم من أسمائكم، فكانت الكلمة: خنفشار .. ثم ذهبوا جميعًا إلى الرجل وسألوه عن معنى ("الخنفشار)؟", فأجاب بثقة: هو نبات ينبت في أطراف الصحراء، وقد ذكره فلان، وقال فيه كذا وكذا..." واسترسل يروي من الخيال ما يُدهش السامعين! , هنا سقط القناع، وسخر الناس منه، وانفضح أمره، فرحل عن المدينة إلى غير رجعة , الشاهد من القصة واضح: ليس كل متحدث بعالم، وليس كل مظهر يدل على الجوهر. السؤال الحقيقي: هل تعلم ما يقول؟ وهل أنت من أهل التخصّص حتى تُصدّقه؟ , هل هذا الشخص درس الفقه؟ علم الأصول؟ علم الرجال؟ الدراية؟ الجرح والتعديل؟ المنطق؟ الفلسفة؟ , إذا لم يكن كذلك، فكيف أصبح بين ليلة وضحاها "مرجعًا" و"عالمًا" و"وحيد دهره"؟ , ثم إنّ من يناظر فليكن أهلاً للمناظرة، ومن يُفتي فليكن أعلم من الناس، وإن كان الحُكم هو الأعلم، فالعقل والشرع يفرضان علينا اتباعه لا مخالفة قوله باسم الحرية والتفكير , العلم ليس صراعًا، ولا هو ساحة لتضخيم الذات، بل العلم نفعٌ وتواضع، وكلما ارتقى العالِم، زاد تواضعه، وابتعد عن مظاهر الزينة والرياء , وقد نُقل عن أحد تلامذة السيد الخوئي (قدس سره) أنه لاحظ بعد وفاة السيد الحكيم وتصدّي السيد الخوئي للمرجعية، أن مظهره تغيّر قليلًا، فلاحظ عليه ملابس جديدة وقميصًا نظيفًا تحت العباءة، فقال لصاحبه: "السيد لم يعد كما كان حين كان أستاذًا فقط , فسأله تلميذه بأدب: "سيدنا، الآن بعد أن أصبحت المرجع الأعلى، هل تغيّرت عن السابق؟", فقال السيد الخوئي بكل بساطة: الذي يطلب المرجعية إما مجنون، أو لا دين له! أنا أرى الأستاذية والدرس أفضل من هذا التصدي، لأن المرجعية مسؤولية، وتحمّل، وانشغال عن العلم والبحث والتأليف , العالِم لا يطلب المرجعية، بل هي التي تأتي إليه , وتلك علامة فارقة بين أهل الحق والمدّعين , وفي زمن اختلطت فيه المفاهيم، نحتاج إلى ميزان، لا تحكمه العاطفة، بل العقل والشرع والتجربة، ونحتاج إلى وقفة صادقة مع الذات:من نتّبع؟ ومن نُصدّق؟ ومتى نُحسن الظن؟ ومتى نُحذّر؟


 

الادّعاءات لا تكفي وحدها

الشيخ عادل الزركاني

الادّعاءات وحدها لا تعني شيئًا، وليست ذات قيمة حقيقية، فكم من أناسٍ ادّعوا النبوة أو الولاية، أو زعموا أنهم مرسلون من الله تعالى، أو مراجع دين وأئمة هدى! , كل شخص يمكنه أن يدّعي ما يشاء، لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُطرح هو: على ماذا يبني هذا المدّعي ادّعاءه؟ , وهل يمكننا كشف زيفه وكذبه؟ , أهل العقول والبصائر لا يحتاجون إلا دقائق معدودة لتمييز الحق من الباطل، وأما من التبس عليه الأمر، فعليه أن يتأمل ويتدبّر حتى تتجلّى له الحقيقة. أما الدخول في الشبهات بغير علم فهلاك محقّق، والخروج منها ليس بالأمر الهيّن، تمامًا كمن لا يُجيد السباحة فيُقْدم على القفز في عرض البحر، واهمًا أنه سيتعلم السباحة هناك! , بل إن بعض المدّعين يُصدّقون أكاذيبهم كما حصل مع ذاك المجنون الذي أوهم الأطفال بوجود وحشٍ قادم، ففرّوا هاربين، وكان هو أول من هرب، خائفًا من الكذبة التي اختلقها! هكذا تجدهم يُغذّون وهمهم ويعيشون فيه، رافضين أي صوتٍ يعارضهم، مُدّعين أنهم أصحاب الحقيقة المطلقة , وبعضهم منهم لم يدرسوا يومًا في الحوزة، تعلموا فقط بعض الحركات والجدليات السطحية، ثم نصّبوا أنفسهم دعاة أو مراجع، وأصبح كلٌّ منهم يتباهى على الآخر بـ"أنا وأنا"، بينما هم يمارسون الانحدار الأخلاقي بأبشع صوره: سبّ، وقذف، وشتائم نابية، وتجاوز على الذات الإلهية والأنبياء والأولياء، بحجة أن "الله غير الله الذي تعرفونه"، و"النبي غير النبي الذي تعتقدون به"! وهذه مغالطة الجهّال , الله سبحانه هو الله، عرفه الجاهل أو أنكره، والنبي (ص) هو هو، مهما أنكر المغالون أو شوّهوا سيرته. هذا الخلط الخطير بين الجهل والعلم، حين يتحوّل الجهل إلى ما يُسمّى علمًا، هو أخطر أنواع الانحراف، لأنه يجمع بين الضلال الفكري والانهيار الأخلاقي بشكلٍ متحجّرٍ عنيد , وهؤلاء يقتلون أنفسهم من أجل وهم داخلي صنعوه، وربما يصرّحون بأفكار لا يؤمنون بها أصلاً، لكنهم مضطرون للبقاء في كذبتهم حفاظًا على ما يعتقدونه "مكانة" أو "نفوذًا"، فيستمرّون في غيّهم وعنادهم , يبقى السؤال الجوهري: كيف نميّز المدّعي في عصرٍ اختلطت فيه المفاهيم، وتزعزعت فيه القيم والأخلاق؟ , أعتقد أن الأمر ليس بالصعب إذا رجعنا إلى ذواتنا، وتحكّمنا في عواطفنا، وتحرّرنا من أهوائنا، ومن أسر النفس الأمّارة بالسوء، وما تراكم فيها من رواسب وأوهام , علينا أن نرتفع عن سطح الأحداث، وننظر إليها بعين الباحث النزيه، لا المتعصّب المتشنّج , ثم نسأل أنفسنا: هل هذا المدّعي، أو ذاك الكاذب، يسير على نهج آل محمد (عليهم السلام)؟ , هل هو ملتزم بأخلاقهم، بسلوكهم، بمنطقهم، بطريقتهم في الحوار والعمل؟ , النهج هو المعيار، لا الشعارات، ولا الألقاب، ولا الادّعاءات الجوفاء , ثم نأتي إلى ركنين مهمين في شخصية العالم الرباني: العلم والحِلم , القضايا العلمية والنظرية الدقيقة لا تُعرض على عامة الناس ليقيّموها بالأذواق والانطباعات، بل تُناقَش وتُختبَر في ميدان العلم على أيدي أهل الاختصاص. ولذلك، فإن تقييم الادّعاءات العلمية أو الدينية من اختصاص أهل العلم والمعرفة، لا العوام، ولا متابعي وسائل التواصل , أما من يُطلق على نفسه ألقابًا ضخمة من قبيل: "فقيه الزمان" أو "عالم العصر"، فليعلم أن كلمة عالم ليست مجرد وصف أو رتبة اجتماعية، بل مفهومٌ مركّبٌ عميق، ذو دلالات أخلاقية، روحية، واصطلاحية , ولا يناله من لا يستحقه، ولا يصله من لم يُطهّر نفسه، ويُنمِّ علمه، ويصبر على طريق التهذيب والبناء , العقل والحقّ يشهدان أن أغلب هذه الدعوات الطارئة التي نسمع عنها اليوم، هزيلة ومخجلة، لا تمتّ للعلم ولا لأهله بصلة. أصحابها كذّابون دجّالون، هدفهم استغلال البسطاء والسذّج من الناس، وتمزيق الصفوف، وإبعاد الناس عن سبيل الهدى، وتشويه المقدّسات.

 


الاثنين، 14 يوليو 2025

 الحوار.. بين النُبل والانحراف

الشيخ عادل الزركاني

الحوار وسيلة نبيلة للتواصل الإنساني، وقد تتعدد دوافعه بحسب نية المتحاور وسعة أفقه , فمنه ما يكون لأجل الترفيه، أو طلب الفائدة والمعرفة، أو لمجرد متعة الحديث وتبادل الآراء، وأحيانًا يكون لإيصال فكرة يحملها المتحدث، ويسعى إلى مشاركتها مع الآخرين بلغة الاحترام والتفهّم , لكن حين يتحوّل الحوار إلى ساحة غلبة وصراع شخصي، أو إلى مجرد محاولة لتخطئة الآخر وإثبات التفوق عليه، فإنه يفقد روحه وقيمته، ويتحوّل إلى جدل عقيم، لا يُثمر فكرًا، ولا يُنتج وعيًا، ولا يُبني على أساسه تفاهمٌ أو تقارب , وأشدّ ما يكون هذا الانحراف حين يدخل الحوار في المساحات العقائدية، فكلّ طرف يسعى لجذب الأنصار إلى صفّه، ودفع خصمه إلى النار! وهنا تبلغ الجهالة ذروتها، وتظهر العصبية بأقبح صورها، إذ يتحوّل الدين – وهو دعوة للهداية والرحمة – إلى وسيلة للخصومة والتكفير، لا للفهم والتقريب.





الأحد، 13 يوليو 2025

 فلسفة الدعاء والتوسل بأهل البيت (عليهم السلام). . .

الشيخ عادل الزركاني

📿  كثيرًا ما نُواجَه – بل نُتَّهَم – حين نرفع أيدينا وقلوبنا قائلين: يا رسول الله... يا علي... يا زهراء... يا حسين... فينهال علينا السفهاء بالتكفير، ويصمونا بالشرك، ويقولون: أنتم تعبدون غير الله! فأقولها لكم – وبملء اليقين – واللهِ ما عبدنا غير الله طرفة عين، وما سجدنا إلا له، وما توجّهنا إلا إليه، ولكننا عرفنا قدر أوليائه، وأدركنا مقام حججه، فطلبناهم شفعاء، وجعلناهم وسيلة، كما أمرنا ربّنا في كتابه:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ نحن حين نقول: يا أبا الحسن، يا أمير المؤمنين، يا وجيهًا عند الله، اشفع لنا عند الله، لسنا نقول إنك خالقٌ أو رازق، ولا إن الزهراء تُحيي أو تُميت، بل نعتقد أن الخالق هو الله وحده لا شريك له، لا وسيط له في الخلق، ولا شبيه له في الألوهية , ولكننا نقول: يا علي، لأنك باب من أبواب الله... يا فاطمة، لأنك سيدة نساء العالمين... يا أبا عبد الله، لأنك ذبيح الله، وباب نجاةٍ لمن عرف قدرك , أيها السائلون: لماذا التوسل؟ لماذا لا ندعو الله مباشرة؟ , أقول: الله لم يمنع الدعاء المباشر، بل شجّع عليه، ولكن هو الذي أمر بالتوسل! , هو الذي فتح أبوابًا للوصول، وسُبلاً للهداية، ووسائل للقبول، فما أنكرنا الدعاء لله، ولكننا علمنا أن له أبوابًا وأهلًا , تقولون: “الله لم يقبل هذا التوسل”؟ دعونا نحن وربنا! , ونحن حين ندعوه من خلال أوليائه، فإننا نستشعر القرب، ونوقن بالإجابة، ولو لم نوقن أن الله يستجيب بهذا الطريق، لما طرقنا بابه بهذا المفتاح , أنتم، تقولون إن هؤلاء "أموات لا ينفعون"! فما بالكم تذكرون أمواتكم وتزورون قبورهم وتطلبون الرحمة لهم؟ , بل عندكم من يقول – كما قال ابن عبد الوهاب:"عصاي هذه خيرٌ من محمد لأنه ميت"! فأيّ دين هذا؟ وأيّ فهم هذا؟ إذا كانوا لا ينفعون، فلماذا ذُكروا في صلاتنا؟ , لماذا لا تُقبل الصلاة إلا بالصلاة على محمد وآل محمد؟ , أذكرتم الملك أو الرئيس ليستجيب، وتركتم من أمر الله بولايتهم؟ أيّ عقل هذا؟ وأيّ خبث خفيّ يتدثر باسم الدين وهو دين الأمويين لا دين محمد وآله؟ أما سمعتم حديث النبي (صلى الله عليه وآله): "يا علي، لا يعرفك إلا الله وأنا، ولا يعرفني إلا الله وأنت، ولا يعرف الله إلا أنا وأنت"؟ حديث عظيم، يدل على أن معرفة الله لا تُنال بعقولنا القاصرة، بل من خلال أبواب عرّفنا الله بهم، وطرق أوصلنا إليهم , ومثلما أرسلهم لهدايتنا، جعلهم أبوابًا للدعاء، ووسائل للقبول، كما أن الصلاة وسيلة، والصيام وسيلة، كذلك أهل البيت وسيلة، بل الصلاة لا تُقبل من دون ذكرهم، ولا يُتمّها الله بغير الصلاة عليهم , نحن لا نعبد أهل البيت، بل نُطيعهم كما نُطيع من أمر الله بطاعته، ونعلم أنهم أبواب القرب، ومصابيح الهداية، وسفن النجاة، وهم مَن قال عنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدًا".. تأمّلوا لفظ النبي (ص) قال: "تارك فيكم"، أي أن العترة باقية فيكم، مستمرة، كما أن القرآن باقٍ فيكم، باقٍ في حياتكم، في عقيدتكم، في عباداتكم، في دعائكم! ,نحن ندعو الله بآيات كتابه، ونتوسل إليه بكلامه، أفَحلال أن ندعو الله بكتابه، وحرام أن ندعوه بأهل بيت نبيّه؟ أفَيكون القرآن وسيلة، والعترة لا؟ أيُّ منطقٍ هذا؟ وأيُّ دينٍ هذا الذي يبتر الثقل الثاني؟ , أليس ذلك عنادًا، وتحجّرًا فكريًا، وخروجًا عن نصٍّ صريحٍ نبويٍّ لا يختلف عليه اثنان؟ , إن مَن يمنع التوسل بالعترة الطاهرة، مع إقراره بالتوسل بالقرآن، إنما يناقض نفسه، ويطعن في وصية رسول الله (ص)، ويُطفئ النور الذي أبقاه النبي بيننا

أيها الإخوة في الله...احذروا ممّن يجعل محبة أهل البيت تهمة، أو يسخر من التوسل بهم، أو يقول: “هذا شرك”، أو “بدعة”، فإنما يمدّ يده بخيط الجاهلية، ويمشي على أثر بني أميّة، الذين رأوا في أهل البيت خطرًا على عروشهم، فشوّهوا ذكرهم، وجعلوا المحب مشركًا، والمُحبّ المتوسل مشبوهًا , ونحن نقولها بملء الفم، وبقلوب مطمئنة: يا علي، يا فاطمة، يا حسن، يا حسين، يا وجوهًا عند الله... اشفعوا لنا عند الله , ولا تهمّنا ألسنة الحاقدين، ولا نلتفت إلى صغائر الجاهلين، فالتوسل بكم طريق إلى الله، وهو من أبواب رحمته.



الكرم بين الفضيلة والتوحّش. . .

الشيخ عادل الزركاني

الكرم، بلا شك، صفة جميلة وممدوحة، وهو من الأخلاق التي تحبّها النفوس وتقدّرها المجتمعات ’ لكن حين يتحوّل الكرم إلى مشهدٍ يخالف الذوق، وينحدر عن رُقيّ الطبع الإنساني، يفقد الكثير من بهائه ويقترب من صور الافتراس! ’ كم من مأدبةٍ بُنيت على نية الإكرام، فإذا بها تتحول إلى مشهد فوضوي، تُذبح فيها الشهية قبل أن تُلامس اللقمة، ويُجرَح فيها الذوق قبل أن يُخدش الجوع , حين ترى عددًا من الرجال يتزاحمون حول خروفٍ مذبوح، وُضع كاملًا على صحن كبير، أو حول جزور بتمامه، ينهشون منه دون ترتيب أو احترام، فإن الصورة أقرب إلى تجمّع للسباع حول فريسة، أو ذئاب تقتسم الغنيمة، منها إلى صورة الكرم الجميل , الكرم لا يعني ملء الموائد فحسب، بل يشمل أيضًا طريقة التقديم، وهدوء التناول، واحترام الحاضرين بعضهم لبعض , فالطعام ليس فقط ما يُؤكل، بل أيضًا ما يُقدَّم بذوق، ويُؤكل بأدب، ويُشارك فيه الآخرون بطمأنينة نفس، لا بزحام الأيدي ونهم الأبصار , الكرم فضيلة، لكنه يفقد نوره إذا غابت عنه الأناقة الإنسانية، وتحول إلى بهرج بصري أو فوضى بدائية , فلا تجعلوا موائدكم مسارح للغريزة، بل مجالس للبركة، والتهذيب، والمودّة.


 

بين الشعار والواقع مسافة الأمل..

الشيخ عادل الزركاني

كثيرًا ما يُتَّهم أصحاب الشعارات، أو الكلمات الإيجابية والإصلاحية، بأنهم يبيعون الوهم أو يتهرّبون من مواجهة الحقيقة، لكن الواقع أن هؤلاء يسيرون في طريقها، ويحاولون الوصول إليها وسط دربٍ وعرٍ وشاقّ. فالحقيقة نفسها أعقد من أن تُختصر بوقائع اليوم أو معطيات اللحظة، إن الشعارات، وإن لم تكن دائمًا انعكاسًا مباشرًا للواقع، إلا أنها تُمثّل ما هو أعمق: الأمل الذي نتمسّك به، والطموح الذي نرغب أن نصير إليه. ليست كل الشعارات كاذبة، وليست المقالات التربوية أو الإصلاحية مجرّد ترف فكري، أو كلامًا لا يُطبّقه قائله. فالتربية كلمات، والإرشاد توعية، والرسالات السماوية نفسها حكمٌ ومواعظ، وإن لم تُطبَّق في كل زمان ومكان، وهي – أي الرسالات – الحقيقة التي لا تصل إليها حقيقة بشرية أخرى، نعم، ليست كل الحقائق الإنسانية عادلة، بل إن الشعارات في كثير من الأحيان هي ما يُبقي الإنسان واقفًا في وجه الانكسار، هي خارطة الحلم في زمن الانهيار، وهي البوصلة التي تشير إلى ما ينبغي أن يكون، لا ما هو كائن.

الشعارات قد لا تكون الحقيقة، لكنها قد تكون الأمل، أو الطموح الذي يُضيء الطريق نحوها , الفرق بين الواعين وغيرهم، أن الواعين يدركون الفارق بين التمنّي والعمل، بين الحلم والواقع، ويعلمون أن كل حقيقة كبرى بدأت يومًا بشعارٍ صادق، تَبنّاه أصحاب عزيمة لا تُهزم.


 

السبت، 12 يوليو 2025

نقد منهجي للرواية الحديثية في المدرسة السنية

الشيخ عادل الزركاني

في هذا البحث المختصر، نسعى إلى تقديم قراءة نقدية منهجية للرواية الحديثية في المدرسة السنية، وذلك من خلال تفكيكها على عدّة مستويات: تاريخية، وروائية، ومنهجية، وبمقاربة موضوعية تسعى للإنصاف، لا للطعن ولا التسقيط، بل للفهم والتقييم على أسس معرفية ومنهجية. كما سنقارن ذلك بمنهج أهل البيت (عليهم السلام) في التعامل مع الرواية، من حيث مصادر التلقّي، وآليات التوثيق، ومعايير القَبول والرد.

أولًا: هل الأحاديث السنية ذات أسانيد متصلة إلى النبي (ص)؟ من حيث المنهج الظاهري، نعم، فإن غالبية الأحاديث في الصحاح السنية (كالبخاري ومسلم) تُروى بأسانيد تُعتبر متصلة إلى النبي (ص). غير أن هذا الاتصال لا يكفي لإثبات الصحة الواقعية؛ إذ إنّ صحة السند ليست مساوية لصحة المضمون والمتن , فثمة عوامل مؤثرة لا يمكن تجاوزها، منها: عدالة الرواة، وهي محل جدل واسع، خاصة لدى من ارتبطوا ببلاط السلطة الأموية أو ممن عُرفوا ببغضهم لأهل البيت (عليهم السلام) سلامة المتن من الشذوذ أو مخالفته للقرآن أو السنة الثابتة , الظروف السياسية التي أحاطت بالرواية ونقلت عبرها.

ثانيًا: كتابة الحديث والمنع المبكر : ثبت تاريخيًا ـ وبالاعتماد على روايات صحيحة عند أهل السنة أنفسهم ـ أن النبي (ص) نهى عن كتابة الحديث في بداية الإسلام، فقد ورد في صحيح مسلم: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه", واستمر هذا المنع في عهد الخليفتين الأول والثاني، خوفًا – كما يُقال – من اختلاط الحديث بالقرآن، أو ربما لأسباب سياسية تتعلق بتضخم النصوص المعارضة. ولم يُرفع هذا الحظر إلا في عهد عمر بن عبد العزيز (توفي 101هـ) الذي أمر بتدوين الحديث خشية ضياعه , لكن الفترة الواقعة بين وفاة النبي (ص) سنة 11 هـ، إلى بداية القرن الثاني الهجري، شهدت فراغًا حديثيًا كبيرًا، كانت الرواية خلالها شفهية، وهي بطبيعتها عرضة: للنسيان، والتحريف، والتسييس، والوضع المقصود لخدمة أغراض معينة , لقد اعتمد المحدثون على روايات منقولة شفاهة مثل روايات أبي هريرة، الذي رُوي عنه آلاف الأحاديث رغم أنه لم يصحب النبي (ص) إلا قرابة ثلاث سنوات، فكيف له أن يروي ما يناهز ستة آلاف حديث؟ بل أكثر من مجموع ما روي عن الخلفاء الأربعة مجتمعين؟ هذا يطرح تساؤلًا جديًا عن منهجية النقل والضبط , ونجد أن بعض الروايات صُنعت لدواعٍ دعائية؛ كما في الرواية التي تنسب إلى النبي (ص) أنه قال: "من أكل بصل عكة زار مكة". من المعلوم أن هذه الرواية رُتّبت ترويجًا لبائع بصل، كما يفعل بعض مشاهير اليوم في الإعلان لمنتجٍ رديء! , فلو أمعنا النظر بموضوعية، بعيدًا عن المذهبية، وطبقنا منهج النقد العلمي والرجالي، لتبيّن أن كثيرًا من الأحاديث الواردة في الصحاح تعاني إشكالات منهجية. فمثلًا، البخاري انتقى 7275 حديثًا من أصل 600,000 حديث، فأين ذهبت بقية هذه الأحاديث؟ ومن كتبها؟ ومن قال بأن ما اختاره البخاري هو وحده الصحيح سندًا ومتنًا؟ , الفجوة الزمنية بين النبي (ص) وتدوين الحديث الرسمي تتجاوز 90 سنة، أي أن التواتر المزعوم هو تواتر انقطاعي، وإذا كان عمر الراوي يجب أن يمتد قرابة 150 سنة ليعاصر هذا التسلسل، فإن ذلك غير منطقي، بل ولا واقعي، خاصة مع ضعف الذاكرة البشري، واحتمال النسيان، أو الدخول في مراحل الخرف والزهايمر في الكِبَر!

ثالثًا: هل لعبت الدولة الأموية دورًا في صناعة الحديث؟ نعم، وبلا شك تاريخي، فإن السلطة الأموية مارست توجيهًا ممنهجًا لصناعة الحديث، من خلال: تشجيع وضع فضائل للخلفاء الثلاثة الأوائل، وخصوصًا أبي بكر وعمر، ولو على حساب الحقيقة التاريخية , معاوية بن أبي سفيان أمر بوضع فضائل لعثمان، في مقابل التحريض على الإمام علي (ع)، كما أشار ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة , استُخدم رواة مثل: سمرة بن جندب، ومروان بن الحكم، وكعب الأحبار (الذي أدخل الإسرائيليات إلى التراث الإسلامي)، رغم أنهم معروفون بوضع الحديث , هذا التسييس أفرز روايات تخدم المشروع السياسي، وتشوّه صورة أهل البيت (ع)، أو تُعلي من شأن خصومهم التاريخيين.

رابعًا: التحيّز المذهبي في قبول الرواة: من الملاحظ أن المدرسة السنية غالبًا ما تُجرّح الرواة الشيعة، خاصة إذا أبدوا ولاءً واضحًا لأهل البيت (ع)، فيُتّهمون بالرفض والغلو، ويُضعّفون تلقائيًا، كما حصل مع: زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم ,وأبو بصير وهم من كبار الرواة في مدرسة أهل البيت (ع). في المقابل، تم توثيق رواة نصّابين أو نواصب مثل: عكرمة مولى ابن عباس وعمران بن حطان (مادح قاتل الإمام علي!) سمرة بن جندب، الذي وضع رواية أن آية: "ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا..." نزلت في علي (ع)! , هذه الأمثلة توضح أن منهج الجرح والتعديل عند بعضهم كان مسيّسًا ومتحيّزًا، مما أثر على مصداقية البناء السندي الظاهري.

خامسًا: النتائج والخلاصة: نعم، السند الظاهري المتصل موجود، لكنه لا يكفي وحده للحكم على صحة الرواية , المنع المبكر من التدوين ولّد فراغًا سمح بالتلاعب والوضع , والدولة الأموية لعبت دورًا حاسمًا في توجيه الرواية وفلترة الموالين لأهل البيت (ع) , والتحيّز المذهبي والسياسي أثّر بوضوح في اعتماد الرواة وتصنيفهم , منهج أهل البيت (عليهم السلام) في الرواية يعتمد على النقل المتسلسل المعنعن عن إمامٍ عن إمام، ضمن دائرة العصمة والمعرفة الإلهية، مع عرض كل رواية على القرآن الكريم، فما خالفه يُطرح، وهذه قاعدة منهجية أصيلة , وبالتالي، فإن القول بأن ما في الصحاح السنية قطعي الثبوت والدلالة غير دقيق، بل هو مخالف للعقل والمنطق والتاريخ، بينما تحفظ مدرسة أهل البيت (ع) للحديث توازنًا معرفيًا وروحيًا، يقوم على الثقة بالإمام المعصوم كميزان للصدق والدين، لا على الظواهر الشكلية للسند فحسب....


الجمعة، 11 يوليو 2025

 

فلسفة الاصطفاء الإلهي ومعنى الإمامة والنبوة..

بقلم: الشيخ عادل الزركاني

في هذا البحث المقتضب، نحن أمام مسألة إيمانية وعقلية محورية، تفتح لنا أبوابًا لفهم الحق وأهله، وتمنحنا بصيرة في تمييز من اختارهم الله تعالى لهداية خلقه. فالأنبياء والأئمة (عليهم السلام) لم يُختاروا باجتهاد بشر، ولا بوساطة، ولا بطموحٍ شخصي، بل اصطفاهم الله بحكمة، وبعلمٍ محيط بالعوالم الأولى، وبتقديرٍ سبق الزمن والمكان، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. , الاصطفاء الإلهي: ليس جبريًا بل استحقاقًا , الاصطفاء لا يعني الجبر، بل هو اختيار إلهي لمن بلغوا أعلى درجات القابلية والاستعداد الروحي والأخلاقي. إنهم أصحاب النفوس الطاهرة، والعقول الناضجة، والطينة الصافية. ولذلك فهم معصومون، لا لامتياز عشوائي، بل لأنهم أهل لتحمّل التكليف الرسالي العظيم , الإنسان والمصلحة.. والأنبياء والرسالة , الناس بطبيعتهم تحركهم المصالح: الزواج مصلحة، العلاقات الاجتماعية مصلحة، الحكم مصلحة. أما الأنبياء والأئمة، فتحركهم الرسالة، لا المصلحة , وتاريخ الملوك والسلاطين يشهد أن غايتهم المال والتوريث والسلطة والنساء، حتى وصل الأمر إلى قتل الأخ لأجل الكرسي، أو السبي والنهب باسم الدين. وقد مارس كثير من الحكّام، حتى من لبس عباءة الإسلام، أبشع صور التوحش تحت راية "الفتوحات": من سبي النساء إلى قتل الأبرياء، إلى اختطاف الأطفال، وخصي الصغار ليكونوا خدماً في قصور "الخلفاء" , أيّ شرف هذا؟! وأيّ عفّة يدّعيها من ينتهك أعراض الخلق باسم الدين؟! , وهذه الغزوات باسم الدين.. وهي تزييف للعقيدة ,الله لم يرسل الأنبياء للقتل والسبي، بل للإصلاح. وهو تعالى لم يعاقب الأمم لعدم عبادته، بل لطغيانهم وفسادهم , فكيف يكون منطق السماء: "اقتل لتعبدني"؟! , ولو كانت الفتوحات التي افتخر بها حكّام المسلمين تمثل الدين، لكان الأئمة (عليهم السلام) أول المشاركين. ولكنهم لم يشاركوا في غزوة واحدة، ولم يؤيدوا أي حاكم متسلط. وما يُروى خلاف ذلك إما موضوع أو محرّف يخالف العقل والقرآن , وأكذوبة الفتح الإسلامي ما يُسمّى بالفتح الإسلامي، والذي يتغنى به كثير من المسلمين ــ خاصة الوهابية ــ ليس إلا كذبة كبرى , وهذه العقيدة التي رُسخت في عقول السذّج، أصبحت "مقدسة"، لا يُسمح بمناقشتها. لكن كيف يُعقل أن يُنشر الإسلام بالسيف: إما أن تُقتل، أو تؤمن؟! الإيمان بالخوف لا يختلف عن الإلحاد , الحقيقة أن من كتبوا ذلك التاريخ، مارسوا الطمس والإخفاء، وادّعوا أنهم جاءوا محررين، ناشرين لدين التسامح. لكن الوقائع والمصادر تكشف عكس ذلك تمامًا: لا فقهاء، لا دعوة، لا تواصل حضاري، بل قتل وسبي ونهب فقط , والوجه الحقيقي لبعض الفاتحين وهو صورة لا تختلف عن الباقي من نوعه وقادة مثل عقبة بن نافع، لم يكونوا دعاة، بل غزاة سفّاحين. ويكفي ما ورد في "الكامل في التاريخ" لابن الأثير عن غزو الأمازيغ:"وقتل المسلمون فيهم حتى مَلّوا!"، أي تعبوا من كثرة القتل! , كيف نُصدّق أنهم دعاة وقد قتلوا أبناء بنت نبيهم (ص) ورفعوا رؤوسهم على الرماح؟! وسَبوا نساء آل البيت (ع)؟! , السيطرة العرقية تحت غطاء الإسلام , عقبة بن نافع، كما ذكر المؤرخ أبو عبد الحكم، قال لملك ودّان: "فعلت بك هذا أدبًا لك، وإذا مسست أذنك تذكرته، فلم تحارب العرب؟" , ولم يقل "المسلمين"، ما يدل على أن الهدف لم يكن دينيًا، بل عرقيًا: تمكين العرب من السيطرة على الشعوب , هذا النهج استمر حتى الدولة العثمانية التي نصّبت الأتراك على الشعوب، بما فيها العرب، رغم دخولهم الإسلام , منطق الانتقام لا الدعوة , بعد مقتل عقبة، جاء زهير بن قيس ينتقم، لا يفتح، فقتل المئات من الأمازيغ , وهكذا تحوّلت الغزوات من استعمار إلى ثأر، إلى إبادة جماعية , ويكفي ما ذكره ابن كثير عن موسى بن نصير: سبى من الأندلس ومن غيرها خلقًا كثيرًا، ومن الذهب والجواهر ما لا يُعد، وسبى من الغلمان الحسان والنساء الحسان شيئًا كثيرًا، حتى قيل إنه لم يُسلب أحد مثله! , بل إن خمس السبي بلغ أربعين ألف رأس، فأرسلها إلى الخليفة! والمقارنة مع الجرائم الحديثة هذه الجرائم لا تقلّ وحشية عن جرائم النازية، أو الاستعمار الأوروبي، بل في بعض الجوانب تفوقها، لأن هذه تمّت باسم "الإسلام"! والأسوأ من ذلك: أنها ما تزال تُمجّد، وتُدرّس، وتُلبس لبوس "الفتوحات الإسلامية العظيمة"! النموذج المعاكس: أهل البيت (عليهم السلام) قال الإمام علي (ع): "وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق." , النبي الأكرم (ص) لم يفرض دعوته بالسيف، بل بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمنطق، لا بالإكراه والقهر , الحكم عند المعصومين: تكليف لا تشريف , وقليل من الأنبياء حكموا: داود، سليمان، يوسف. , والنبي محمد (ص) أقام الدولة الإسلامية لتثبيت الدين، لا من أجل السلطة , أما الإمام علي (ع) فحين غُصِب حقه، قال وهو يخصف نعله: "والله لهي أحب إليّ من إمرتكم، إلا أن أقيم حقًا أو أدفع باطلاً." وكان يأكل من طعام بسيط، ويحمله مختومًا. أما حروبه، فكانت دفاعية لا سلطوية , والإمام الحسن (ع) صالح معاوية حفظًا للدماء. فهل معاوية أصلح من الحسن؟ , والإمام الحسين (ع) خرج حين بلغ الانحراف ذروته، نهض بأمر من الله، ومعه النساء والأطفال، فهل هذا فعل طالب ملك؟! بعد كربلاء.. الخط الرسالي مستمر , ولم يحكم أي إمام بعد الحسين (ع). بل سُجنوا، وقُتلوا، لكنهم ثبّتوا العقيدة، وأعدّوا الأمة لظهور الإمام المهدي (عج) والمهدي (عج) فكرة موجودة في كل الأديان، لكن يختلف المسلمون حول ولادته. من يطعن فيها، إما جاهل أو حاقد , أما من يشتم نسبه أو عرضه، فقد انحدر إلى درك الجهل والحقارة... النتيجة صراع كرسي لا رسالة , ما نُقل من إنجازات وفتوحات كبرى في التاريخ الإسلامي لم يكن لله، بل للكرسي , الأمويون قتلوا واستبدوا باسم الإسلام , العباسيون قتلوا بني أمية وساروا على نهجهم , العثمانيون وسّعوا سلطانهم بالسيف وغطوه بلباس الخلافة , فتوحاتهم لم تكن رسالية، بل لا تختلف عن فتوحات التتار، سوى أنها كانت أكثر خداعًا باسم الدين...الإمامة والنبوة.. تكليف إلهي لا منصب دنيوي والنبوة والإمامة ليستا سلطة، بل مسؤولية سماوية. أصحابها معصومون، زاهدون، مخلصون، لا يحركهم إلا رضا الله , هم حكّام الآخرة، لا حكّام القصور، وهذا ما لا يفهمه أعداء أهل البيت، ولا من عبدوا الكرسي.


الخميس، 10 يوليو 2025

 

الازدواجية السياسية وضياع الموقف العربي

نحن في زمنٍ انقلبت فيه المعايير، وتبدّلت فيه المواقف، نرى العجب من أناسٍ يُحسبون على العرب، وما هم منهم! فما رأينا العربي الأصيل يفرح بضرب مسلم، أو يُطبّل لقصف بلدٍ جار، أو يتمنى زوال دولةٍ لأنها اختلفت معه في السياسة أو المذهب! , العربي الحقّ، صاحب الغيرة، لا يستقوي بالأجنبي على أخيه، ولا يرقص على جراح الأمّة، ولا يهلل لكل صاروخ يُطلقه نتنياهو، أو صفعة يوجهها ترامب، أو قصفٍ يهدم بيتاً في طهران أو بغداد أو غزة! , لقد رأينا كيف تهتف بعض الألسن فرحاً: "غداً تُضرب إيران!"، "غداً يُسحق حزب الله!"، "قريباً تسقط دمشق أو تُقسم بغداد!"، وكأنهم على موعد مع النصر، لا على عدو، بل على أنفسهم! هل نسي هؤلاء من قصف فلسطين؟ من هدم العراق؟ من احتل الكويت؟ ومن أسقط صدام؟ من بنى قواعده في قلب جزيرة العرب؟ أليسوا هم نفسهم من قاد الحروب علينا؟ , أليسوا من دمّروا شعوبنا بأموالنا وأرضنا وأصواتنا؟

يا أيها الناس، يا أبناء الأمة: بالأمس قالوا: إيران حليفة إسرائيل! , ثم قالوا: المعركة مسرحية! , ثم قالوا: الله يضرب الظالمين بالظالمين! , ثم قالوا: هذا نصر لأهل السنة! , وغداً يقولون: نحن المنتصرون! , وكل يوم حكاية، وكل ساعة رأي، وكأنهم بلا عقل، ولا ضمير، ولا ذاكرة! يا للأسف! صار بعض أبناء العرب، أدوات بيد العدو، وأبواقاً لسياسات الغرب، ومجرد أزرارٍ تضغطها واشنطن، فيتحرك الإعلام، وتُشنّ الحملات، وتُبدّل البوصلات! أين الغيرة يا عرب؟ أين الحميّة؟ أين المبادئ؟ هل بلغ بكم الأمر أن تفرحوا لخراب ديار المسلمين؟ هل بلغ الحقد أن تتوسلوا العدو لضرب أبناء دينكم؟ هل نسيتم قول الله تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر)؟ أيها الإخوة المؤمنون: لا يغرّنّكم إعلامهم، ولا تُخدعنّكم شعاراتهم، فهؤلاء لا يريدون تحريراً، ولا إصلاحاً، بل يريدون مزيداً من الانقسام، والدمار، والهيمنة , العاقل من ثبت على الحق، لا من تغيّر كلما تغيّر مزاج السادة الكبار! , المؤمن من يزن الأمور بميزان الدين، لا بميزان الطائفية والمصالح! , الشريف من يرفض الظلم... أيّاً كان الظالم، وأيّاً كان المظلوم! , فاثبتوا، وكونوا مع الحق حيث كان، ومع المظلوم ولو خذله الناس جميعاً، وكونوا رجال موقف لا عبيد زمن! , نسأل الله أن يهدي هذه الأمة إلى رشدها، وأن يُبصرها بعدوها، وأن يجعلنا ممن يقولون كلمة الحق، ولا يخافون في الله لومة لائم


 

الشعائر دين، والدين أخلاق، ولا دين بلا أخلاق!

ما قيمة الدين إذا تجرد من الأخلاق؟ وما نفع الشعائر إن لم تُهذّب النفوس وتُزكّي الأرواح؟ نعم، الشعائر من الدين، لكنها ليست بديلًا عن جوهره… وأول الدين أخلاق، فمن لا أخلاق له، لا دين له، وإن لبس زيّ التدين، وتكلّم بألف لطمية! كلّ من يردّد: "النية تكفي"، وهو يسلك طريق الجهل والتزييف… نقول له: النية لا تكفي! الدين معرفة، وفهم، وعلم… لا إحساسًا عابرًا، ولا عاطفةً فارغة , الدين ليس شكلًا ولا مظهرًا، ولا زيًّا يُرتدى في موسم معين، ثم يُخلع عنه كل خُلقٍ وقيمة! , من تلبس زيّ المتدينين، وتدّعي حب زينب، وتُقيم العزاء، لكنّ سلوكها نهج عبيدالله بن زياد، ولسانها لسان يزيد… فهذه ليست على درب الحسين، ولو بكت حتى جفّت مآقيها! الحسين ليس وسيلةً للشهرة، ولا سلّمًا للمكاسب، ولا ساحةً لتصفية الحسابات، ولا أداةً لتسقيط المؤمنين وخدّام الحسين! , الحسين ثورة على التزييف، لا غطاء له , لا تسمحوا للنوع غير المحترم أن يتصدر مجالسكم، أو يدخل مواكبكم، أو يزيّن صفحاتكم، إلا أن يكون قادمًا للتوبة، راغبًا في الإصلاح، طالبًا لاحترام النفس والعفّة والأخلاق , لا تتركوا صورةً غير لائقة، بقصد أو بغير قصد، يستغلّها أعداء الحسين للنيل من طهارتكم وعفّتكم… هؤلاء الأعداء لا يعرفون من الحسين شيئًا، ويتكلّمون من حيث هم، من مستنقعات التدني والقذارة، والحقد الفكري والمذهبي وحتى القومي.

أيّها الاحبة : الحسين مدرسة… بابُ توبة… بابُ صعودٍ نحو القيم، والأخلاق، والاحترام , هو النور الذي يعيد للناس إنسانيّتهم، لا مظاهر تُستغل، ولا مشاعر تُباع في سوق المصالح , احذروا أن يتحول الدين إلى صناعة بشرية تُفصّل على المقاس، وتُركّب على الأهواء, واحذروا أن يُفرّغ الدين من جوهره، فيُصبح طقوسًا بلا روح، وشعارات بلا سلوك، وشعائر بلا مضمون! الدين ليس ما يُقال، بل ما يُفعل… وليس ما يُظهر، بل ما يُبطن… وما قيمة فعلٍ بلا أخلاق؟ وما وزن شعيرة بلا معرفة؟ , الحسين لا يريد دموعًا فقط… بل يريد يقظةً، ونهضةً، وثورةً على الجهل، والرياء، والنفاق! فكونوا صادقين مع الحسين، ومع أنفسكم… ولا تسيئوا لمدرسةٍ رفعت راية الكرامة باسم الطمع، أو الغفلة، أو الادّعاء.


الثلاثاء، 8 يوليو 2025

 

لماذا تُحارب مائدة الحسين؟

كلّما حلّ موسم ديني، كلّما ارتفعت رايات الحسين، كلّما سارت قوافل الزائرين... خرج علينا من يُنكر ويشتم ويُحقّر! نفس الصوت... نفس السؤال... نفس الأسطوانة المكرّرة: لماذا لا تُعطى هذه الأموال للفقراء؟!"لماذا لا تطوفون ببيوت الفقراء بدل الطواف ببيت الله؟!" الحج الحقيقي أن تطعموا الجياع، لا أن تمشوا إلى كربلاء! "لكن عجيبٌ أمرهم!

أين هم حين تُنفق الأموال على السفرات؟ , أين صوتهم حين تُصرف الملايين على السياحة، وعلى الكماليات، وعلى الحفلات؟ , لماذا فقط إذا رأوا مائدة في طريق الزائرين صاحوا: تبذير! , لماذا فقط إذا سمعوا طبّاخًا يطهو للزوار قالوا: هذا لا ينفع الفقراء! , تعالوا يا أحبة، تعالوا أشرح لكم كيف تُصنع هذه المائدة الحسينية العظيمة: ذاك الطفل الصغير، جمع في حصّالته خمسة آلاف... وتلك العجوز المسكينة، أعطت من راتبها خمسين ألفًا... وذاك العامل البسيط، وفّر من قوته مئة ألف دينار... وذلك الأب، جعل الطعام الذي كان في بيته، مؤدبة على طريق كربلاء! هذه الموائد لا تصنعها أموال الأغنياء فقط، بل تصنعها قلوب الفقراء! إنه تكافل... إنه تضامن... إنه حبّ الحسين الذي يوحّد القلوب ويكسر الحواجز! ووالله، لا يُطرد فقير، ولا يُهمَّش محتاج... بل الفقير في هذه المائدة في الصدارة، والمسكين أول من يُقدَّم له الطعام، والضيف له الكرامة قبل صاحب الدار...والخادم في هذه المواكب لا ينتظر أجرًا، بل يعتبرها كرامةً من الحسين أن يُخدم الزائر، لا منّة عليه! أين أنتم من هذا الفهم؟ أين أنتم من هذا النبل؟ أين أنتم من هذا العطاء الحسيني؟! يا من تعترض على مواكب الحسين... لو علمت أن مائدة الحسين لا تُقصي فقيرًا، ولا تهين محتاجًا، لركضت تمشي حافيًا تخدم فيها قبل أن تنتقدها! يا من تسخر من خدمة الأربعين... اذهب وتعلّم من ذاك الطفل، وتلك العجوز، وذاك الخادم، كيف يكون الحبّ حين يتجسّد فعلًا، لا شعارات! اللهم احشرنا مع الحسين وأصحاب الحسين، اللهم لا تحرمنا شرف الخدمة، ولا تمنعنا من مائدةٍ يجلس عليها الفقراء قبل الأغنياء، ويُذكر فيها اسمك يا الله، ويُبكى فيها على عبدك الحسين


الاثنين، 7 يوليو 2025

 

من قتل الحسين (عليه السلام)؟ كشف الشبهة وتثبيت الحقيقة..

بقلم : عادل الزركاني

في كلّ زمانٍ ومكان، كانت هناك محاولات دنيئة لإخفاء جريمة كربلاء، لتشويه الحقائق، ولزرع الشبهات في عقول الناس... ومن أقبح ما روّجه أعداء الحقيقة، تلك التهمة الباطلة التي يُردّدها بعض الجهّال، أو المغرضين، يقولون: شيعة الحسين هم من قتلوه، وهم أنفسهم يبكون عليه! و هذا من أعجب العجب؟! أليس هذا هو الكذب المفضوح الذي يُراد له أن يُصبح ثقافة؟! تعالوا نقف معًا أمام هذا الادّعاء الواهن، ونكشف زيفه، بالحجّة، وبالدليل، وبالتاريخ الذي لا يُزيّفه الحقد ولا يُحرّفه الجهل.. أيُّ عاقلٍ يقبل أن يقتل الإنسانُ من يحب، ثم يجلس يبكيه، ويُقيم له المجالس، ويُلطم صدره، ويندب اسمه صباحَ مساء؟! , وأيُّ منطقٍ يقبل أن شيعة الحسين، الذين بذلوا دماءهم، وأرواحهم، وأموالهم فداءً له، هم أنفسهم يقتلون إمامهم؟! بل مَن يقرأ التاريخ جيّدًا، يعلم أنّ الشيعة آنذاك كانوا قلّةً مطاردةً مضطهدةً في الكوفة وسائر الأمصار، يُلاحَقون، ويُعتقَلون، ويُقتَلون، على يد سلطة بني أمية وأعوانهم... أما الذي خرج بجيشه، وأحاط بالحسين، وأمر بقتله، وأرسل السهام على صدره الشريف، فهم جيش يزيد بن معاوية، والولاة الأمويّون، والقبائل الطامعة في الدنيا... ولكم الدليل القاطع وادعي لم يذكره احد من قبل  ... ثأر العباسيين وشعار "يا لثارات الحسين", هذا دليل تأريخي لا يُمكن إنكاره ولا تجاهله، وهو موقف الهاشميين ، أبناء عمومة الحسين (عليه السلام)، الذين أسقطوا الدولة الأموية بعد سنوات قليلة من الواقعة، في سنة 132 للهجرة , ماذا كان شعارهم الرئيسي؟ أهو شعار سياسي بحت؟ كلا... بل كان شعارًا عقائديًا واضحًا: "(يا لثارات الحسين") لقد رفعوه في وجه بني أمية، وعمّموه على كلّ بقاع الأرض، وأعلنوا أنّ ثورتهم انتقامٌ لدم الحسين المظلوم، لا طمعًا في حكم، ولا حقدًا شخصيًا، بل ثأرًا لعترة رسول الله، ودفاعًا عن المظلومية التي حاول الأمويّون طمسها... ولم يكتفِ العباسيون (الهاشمين) بإسقاط بني أمية، بل لاحقوهم في كل مدينة، وأباحوا دماءهم في دمشق، وفي العراق، وفي الحجاز، بل وصل انتقامهم إلى حدّ نبش قبور الأمويين، وإهانة رفاتهم، وإحراقها، وتذرية رمادها في الهواء، وهم يردّدون: هذا بدم الحسين، وهذا بدم زيد، وهذا بدم يحيى...وهذا استنتاج لا يقبل الشك , لو كان شيعة الحسين هم من قتلوه، كما يزعم البعض، فلماذا رفع أبناء عمومته شعار الثأر ضد بني أمية تحديدًا؟! ولماذا لم يُوجَّه السلاح إلى الشيعة أنفسهم؟! ولماذا كانت مدن الشيعة هي أوّل من احتضن ثورة "يا لثارات الحسين"؟! إنّ هذه الأكاذيب ، ليست إلّا امتدادًا لفكر بني أمية، الذين قتلوا الإمام، ثم حاولوا تزوير التأريخ، فخرج علينا اليوم مَن يردّد هذا التزوير بلسانٍ جديد.

الحسين (عليه السلام) قُتل مظلومًا، قتله جيش يزيد، وسلطة بني أمية، أما شيعته فقد: قاتلوا معه في كربلاء , وسقطوا شهداء بين يديه وخرجوا في ثوراتٍ متلاحقة بعدها، ثأرًا له , حافظوا على ذكره، وعلى مجالس عزائه، وعلى نهجه، وعلى دمه الذي بقي وسيبقى صرخةً في وجه الظالمين.

أيّها الشيعة ... إنّ دم الحسين (عليه السلام) ليس دمًا ضائعًا... ودموعكم عليه ليست عاطفةً عابرة، بل هي تجديدٌ للعهد، وبقاءٌ للثأر، وتأكيدٌ للولاء... فليُدرك الجميع، أنّ من يروّج الأكاذيب لتشويه الحسين، أو لتحريف مظلوميته، إنّما يردّد صوت يزيد ومعاوية، بثوبٍ جديد... وأنّ الموقف الصادق، هو أن نُحيي ذكر الحسين، ونكشف القتلة الحقيقيّين، ونُربّي الأجيال على الولاء، والصدق، والبراءة من أعداء محمدٍ وآل محمد...


اعتزاز حسن... حين انتصر الإنسان على الموت دعنا من ضجيج الخلافات الفقهية، ومن معارك الكلمات التي استهلكت القرون؛ هذا يسب، وذاك يرد، وهذا يؤ...