هذا هو ابنُ الرضا؟ كانَ الليلُ العبّاسيُّ ثقيلاً… ثقيلًا كأنَّهُ يحملُ فوقَ كتفيهِ تاريخَ أُمّةٍ خائفة، والقصرُ يغلي بالصمتِ أكثرَ مما يغلي بالكلام، مصابيحُ الزيتِ ترتجفُ على جدرانِ بغداد، والوجوهُ الممتلئةُ بالحريرِ والذهبِ كانت تخفي وراءها رعبًا لا يُقال. لم يكنِ المأمونُ يخشى سيفًا… فالسيوفُ عندهُ كثيرة، ولم يكن يخشى ثورةً… فالجنودُ يملؤون الأرض. لكنَّهُ كان يخشى شيئًا آخر: ذلك النورَ الذي لا يُحارَب. كانوا يعرفون أنَّ محمدَ بنَ عليٍّ الجواد ليس طفلًا عاديًّا. فالطفولةُ شيء، وأبناءُ السماءِ شيءٌ آخر. دخلَ الإمامُ محمدُ الجواد (عليه السلام)، ثماني سنواتٍ فقط… لكنَّ القاعةَ شعرتْ أنَّ القرونَ كلَّها دخلتْ معه. كانَ وجهُهُ هادئًا كأنَّهُ خارجٌ من صلاة، وعيناهُ تحملانِ ذلك البريقَ الذي لا يُشبهُ عيونَ البشرِ المعتادة، بريقَ الذينَ رأوا الحقيقةَ قبلَ أن يخلقَ اللهُ الجدل. وقفَ يحيى بن أكثم، شيخُ المناظرات، رجلُ البلاطِ العباسي، والذي شاختْ فوقَ كتفيهِ الكتبُ والأسئلةُ والحِيَل. نظرَ إلى الصبيِّ طويلًا… ثمَّ ابتسمَ ابتسامةَ المنتصرِ قبلَ المعركة. قا...
المشاركات
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
فلسفة ولادة الإمام المهدي (عج): بين قصور الإدراك وإشكال الإثبات . ليست كلّ الحقائق ممّا يُحاط به العقل، ولا كلّ ما يعجز العقل عن الإحاطة به يكون باطلًا. فالعقل على جلال قدره محدودٌ بأفق التجربة، ومحكومٌ بقوانين الإدراك التي تشكّلت في عالم الشهادة, فإذا عُرضت عليه حقائق تتجاوز هذا الإطار، وقف عند حدوده؛ لا إنكارًا بالضرورة، بل عجزًا عن الإحاطة , ومن هنا، فإنّ فلسفة ولادة الإمام المهدي (عج) تُطرح بوصفها نموذجًا لهذا التوتّر بين المحدود واللامحدود؛ بين ما يُدرك وما يُؤمن به. فهي عند من يناقشها لا تخضع بسهولةٍ لمقاييس البرهنة العقلية المألوفة، كما أنّها في نظر البعض لم تبلغ حدّ الإثبات النقلي الذي يُلزم المخالف , لكن الإشكال في حقيقته ليس في الواقعة بقدر ما هو في أدوات النظر إليها, فهناك من يستمر في المطالبة بالدليل النقلي التاريخي، دون أن يلتفت إلى أنّ نظرية الإمام تقوم في أحد أبعادها على خفاء الولادة، وأنّ المعرفة بها لم تكن متاحة إلا لخواصّ الخواص. ومع ذلك، فإنّ التاريخ نفسه يشهد بوقائع أوضح من هذه القضية، ومع ذلك لم يقع عليها اتفاق , فليس هناك أوضح من شهادة ا...