الحوزة العلمية بين الافتراء والتاريخ الحي..

بقلم : الشيخ عادل الزركاني

وأنا أراجع ملفات التاريخ، وأتأمّل فيما قيل وكُتب عن العلماء والحوزة العلمية، تتكشف أمامي حقيقة تكاد تكون ثابتة: أن كثيرًا من تلك الكتابات، بل أغلبها، لم تصدر عن قراءة علمية نزيهة، ولا عن نقدٍ منهجي مسؤول، وإنما عن مواقف شخصية، ونقصٍ أخلاقي، وأزماتٍ نفسية أُسقِطت على مؤسسةٍ كان ينبغي أن تبقى فوق الأهواء والصراعات الفردية. فالحوزة العلمية ليست بناءَ شخص، ولا مشروعَ جيلٍ عابر، ولا ثمرةَ مزاجٍ فكريٍّ محدود، بل هي مؤسسة تشكّلت عبر قرون، وأُسِّست على يد أهل البيت عليهم السلام، وسُقيت بدماءٍ طاهرة لعلماء أفذاذ، حملوا العلم والتكليف في أحلك الظروف، وواجهوا حكومات الجور وسلاطين الانحراف والتجهيل بثباتٍ وصبرٍ وتضحية, ومن هنا، فإن ما يُقدَّم أحيانًا تحت عناوين مثيرة من قبيل «الدهاليز المظلمة» وغيرها، ليس كشفًا للحقيقة بقدر ما هو انعكاسٌ لظلام نفس كاتبها، وتدنّي أخلاقه. وهو أمرٌ معروف في الوسط الحوزوي؛ إذ تحكم بعض هذه الأقلام شهوةُ المال، فيتحوّل صاحبها إلى عابدٍ للدينار، يبيع القيم لأجله، ولا يتورّع عن النيل حتى من أقرب الناس إليه، أخيه قبل غيره، حسدًا وحقدًا , ومهما بلغ الخلاف بين الإخوة، فإن الانحدار الأخلاقي إلى هذا المستوى لا يمكن تبريره بخلافٍ فكري أو اجتهادي , وهناك آخرون لا يختلف حالهم كثيرًا: فمنهم من فشل في الحوزة، ومنهم من انزعج من مجموعةٍ كان معها بسبب سلوكٍ ما، ومنهم من لا يستطيع الالتزام بالشرع ولا بأخلاق الحوزة، فيريد أن يكون كما يشتهي، فيقترب شكلًا من النساء، ومنطقًا من المتفلسفين، وفكرًا من الملحدين. وكان الأجدر بهؤلاء أن يذهبوا إلى حيث يريدون، لا أن يحملوا الحوزة مسؤولية فشلهم، ولا أن يبرّروا تدنّي مستواهم باسم الدين والمؤسسة , إن هذه الأسماء، وهذه العناوين، وهذه الكلمات، ستبقى لا بما تدّعيه، بل بما تمثّله شاهدةً على أصحابها يوم القيامة، حين لا تنفع الشعارات، ولا الأقلام المأجورة، ويكون الإنسان في ظلمات القبر مع ما قدّمه بيده ولسانه , لقد مضت على الحوزة العلمية أكثر من ألف سنة، وهي تزخر برواياتٍ ومواقفَ وتضحياتٍ لا تُحصى ولا تُعد. وتشهد صفحات التاريخ بأن العلماء رغم اختلاف مدارسهم وتنوّع اجتهاداتهم شكّلوا حزام أمانٍ للأمة، وحافظوا على كيان المذهب من الذوبان والاندثار. ولولا هذه الجهود المتراكمة، لما بقي للمذهب أثرٌ ولا حضور , وهذا المسار ليس استثناءً في التاريخ؛ فقد مرّ المذهب بابتلاءاتٍ أعظم، وواجه شخصياتٍ أخطر، كالشلمغاني، والنميري، والهلالي، والبلالي، وأبي دلف الكاتب، والحسين بن منصور الحلّاج، وأحمد الكاتب، وأمثالهم إلى يومنا الحاضر. ومع ذلك، لم يتوقف المذهب، ولم تتشوّه صورته إلا في عقولٍ مريضةٍ أصلًا. أما هو في جوهره، فقد بقي نقيًا، محفوظًا بعناية الله، وبجهود العلماء الصادقين , إن هذه الكتب والكتابات لم تضف معرفة، ولم تُصحّح مسارًا، بل زادت الإسفاف إسفافًا، والركام ركامًا، بما تحمله من لغةٍ هابطة، ونوايا مريضة، وتعميمٍ ظالم لا يمتّ إلى المنهج العلمي بصلة , فهل من العقل أو الإنصاف أن نرفض تاريخًا كاملًا من العلماء، كانت الأخلاق جزءًا من ذواتهم، والتواضع سمتهم، والزهد عنوانهم، ثم نسلّم عقولنا لكاتبٍ أو قائلٍ لا يعكس كلامه إلا ذاته، ولا يفضح إلا ما فيه؟ , إن النظرة الموضوعية تكشف بوضوح أن كثيرًا مما يُقال عن الحوزة والعلماء ليس وصفًا لهم، بل تشخيصٌ صادقٌ لحالة القائل نفسه؛ فالكلمة، في نهاية المطاف، مرآة صاحبها، وما يخرج من الإنسان إنما يعبّر عنه قبل أن يعبّر عن غيره. 




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة