الاثنين، 12 يناير 2026

 الحرب على الاخلاق والقيم 

لم تعد كثير من الثورات والاحتجاجات في عالمنا المعاصر تُقرأ بوصفها حركات مطلبية خالصة، بل تحوّلت في حالات عديدة إلى ساحات صراع ثقافي وهويّاتي، ولا سيما في البلدان التي تمتلك ارتباطًا دينيًا عميقًا أو عقيدة خاصة متجذّرة في وعي المجتمع، وخصوصًا مجتمعات أتباع أهل البيت عليهم السلام. فالسؤال الجوهري لم يعد: لماذا يخرج الناس؟ بل: لماذا تُوجَّه بعض الاحتجاجات لتصطدم مباشرة بالدين والأخلاق والرموز المقدسة، ولماذا تحظى بدعم سياسي وإعلامي ومالي من القوى الكبرى؟

هذه البلدان، على اختلاف ظروفها الاقتصادية والسياسية، تشترك في كونها لم تفقد هويتها بالكامل بعد، ولا تزال تمتلك منظومة قيم ترى في الدين مرجعية أخلاقية وتنظيمية للحياة. وهذا ما يجعلها، في نظر المنظومة الغربية المهيمنة، مجتمعات “غير منسجمة” مع النموذج العالمي السائد، الذي يقوم على الفردانية المطلقة، والاستهلاك، وتحرير الإنسان من أي ضابط قيمي أعلى. من هنا يصبح الدين ـ لا الفساد ولا سوء الإدارة ـ هو الخصم الحقيقي في كثير من الخطابات المصاحبة لهذه التحركات.

الدعم الخارجي لهذه الاحتجاجات لا يأتي بدافع إنساني خالص، بل تحكمه حسابات مصالح واضحة. فالدول الكبرى لا تدعم حركات تهدد منظومتها القيمية أو الاقتصادية، لكنها تتحمس لأي مسار يضعف الخصوصيات الثقافية والدينية للشعوب، ويفتح الطريق أمام إعادة تشكيل الوعي الجمعي بما يتوافق مع مصالحها. ولهذا نلاحظ أن الإعلام الموجَّه لا يركّز طويلًا على قضايا العدالة الاجتماعية أو محاربة الفساد، بل ينقل الصراع سريعًا إلى ساحة “الحريات الشخصية” ونمط الحياة. في هذا السياق، تُرفع شعارات المثلية والانفلات الأخلاقي لا بوصفها خيارات فردية معزولة، بل كرموز أيديولوجية صدامية. إنها أدوات لكسر المرجعية الدينية، واستفزاز المجتمع المحافظ، وفرض تعريف واحد للحرية، يُقصي أي تصور آخر. فكل من يرفض هذا النموذج، حتى لو كان رفضه أخلاقيًا أو فلسفيًا، يُتهم بالتخلف والعداء للإنسان.

الأخطر من ذلك هو قلب المفاهيم. فالعفة تُصوَّر قيدًا، والحياء يُقدَّم عقدة نفسية، والشرف يُسخر منه بوصفه إرثًا متحجرًا، بينما تُمنح المجاهرة بالعهر، والتطاول على المقدسات، والإساءة للذوق العام صفة “التقدم”. وهنا لا نكون أمام تحرير للإنسان، بل أمام عملية نزع إنسانيته، وسلخه عن أي ضابط أخلاقي يحميه من التحول إلى كائن استهلاكي بلا معنى.

الحرية، في جوهرها الإنساني، لا تعني الفوضى ولا العدوان على مقدسات الآخرين، بل تعني الكرامة والعدالة والمسؤولية. أما الحرية التي يُروَّج لها في كثير من هذه الحركات، فهي حرية انتقائية، تسمح بالإساءة ولا تسمح بالاعتراض، وتحمي الانحراف باسم الثقافة، وتجرّم الأخلاق باسم التنوير.

إن ما يجري في كثير من هذه البلدان ليس مجرد صراع سياسي، بل هو صراع على الهوية والمعنى. صراع بين إنسان يرى حريته منضبطة بالقيم، وإنسان يُراد له أن يكون بلا سقف ولا مرجعية، سهل التوجيه والتفكيك. والوعي الحقيقي لا يكون برفض كل احتجاج، ولا بتقديس كل ثورة، بل بتمييز الحق من التوظيف، والعدل من الفوضى، والحرية من الهدم المقنّع


الخميس، 1 يناير 2026

 

محاولة غتيال الملعون عدي صدام حسين عام 1996م

حين تُروى الحقيقة من أفواه أهلها

في أحد مجالسنا العشائرية، حضر إلينا رجلٌ غريبٌ بمقامه، قريبٌ بنسبه، بعيدٌ بغربته, هو ابن عمٍّ لنا من آل زركان، طبيبٌ عُرف بعلمه ومكانته، غادر العراق منذ ثمانينيات القرن الماضي، واستقر في دولةٍ أخرى، حتى بلغ هناك منصب وكيل وزارة الصحة , ومع ما منحه الاغتراب من أمانٍ واستقرار، ظل قلبه معلّقًا بالعراق وأهله , طلب الرجل لقاء عددٍ من أبناء عشيرته، فكان الموعد في مضيف الشيخ مهدي آل مناحي – رحمه الله – حيث اجتمع الرجال. وكان بين الحضور رجلٌ يعرفه القريب والبعيد، لكنه آثر الصمت طويلًا: الأستاذ سلمان شريف دفّار الزركاني , قال الطبيب بهدوءٍ لا يخلو من شوق: «أريد أن أسمع القصة كاملة لمحاولة اغتيال عدي صدام… كما جرت، لا كما تناقلتها الألسن» , فقد كثرت الروايات حول حادثة عام 1996، وتضاربت التحليلات حتى تحولت الحقيقة عند البعض إلى خيالٍ سياسي: قيل إنها محاولة انقلاب، وقيل إن جهاتٍ متعددة تبنّتها، وقيل – وهو الأغرب – إن صدام نفسه دبّر إصابة ولده، في سيناريو أمني مفبرك , وهنا لا بد من التوقف قليلًا: أيُعقل أن رجلاً قتل رفاقه، وأعدم أقرب المقرّبين إليه، وعاث في البلاد قمعًا، يعجز عن سجن ابنه أو قتله إن أراد؟ , إن مثل هذا القول لا يستند إلى دليل، بل إلى صورةٍ وهمية صنعتها رهبة النظام في أذهان من لم يقتربوا من الحقيقة , أما الحقيقة، كما رُويت من قائد المجموعة نفسه، فكانت واضحة، دقيقة، خالية من الادعاء , بداية التخطيط , بدأ الإعداد للعملية مطلع عام 1996، عبر مقري جعفر الطيار و15 شعبان لمجاهدي الأهوار، في منطقة زورة آل جويبر، التابعة لهور الحمار قبل تجفيفه , وأشرف على التخطيط القائدان الميدانيان: رزاق ياسر مظهر الغالبي (سيد حمزة) جبار قاسم دعبل الحچامي (أبو رياض البنّا) وكان حلقة الوصل مع بغداد المجاهد أبو زهراء الشطري , أما التنفيذ، فتولّته مجموعة صغيرة من الشباب، آمنت أن مقاومة الطغيان واجب، مهما كان الثمن , قاد المجموعة الشاب سلمان شريف دفّار الزركاني، وكان في السابعة والعشرين من عمره، وشارك معه: مؤيد راضي حسين الچروخي السراجي (أبو صادق) – المنفذ الرئيس لإطلاق النار , عبد الحسين جليد عاشور (أبو سجاد) – للإسناد وتأمين الانسحاب , وتحسين مجيد عبد مكتوب (أبو زهراء) سائق السيارة ومسؤول النقل , الاستطلاع والتنفيذ , سبقت التنفيذَ أشهرٌ من الرصد والمتابعة , استأجر الشهيد تحسين دارًا في مدينة الصدر (قطاع 45)، وكان ينقل المجموعة كل ليلة خميس إلى حي المنصور، بعد أن تبيّن لهم أن عدي صدام لا يظهر هناك إلا في هذا التوقيت , ويقول سلمان شريف: «انتظرنا أسابيع. وفي مرةٍ اقترح الإخوة إلغاء العملية خوفًا من انكشافها، لكنني طلبت فرصة أخيرة» , وفي مساء الخميس المنتظر، عند الساعة السابعة تقريبًا، ظهر عدي صدام يقود سيارة بورش ذهبية اللون، دون حماية مباشرة. توقف فجأة في الشارع، ويبدو أنه نزل لاستدراج فتاة. وعند وصوله إلى النقطة المحددة، أُعطي الأمر : «أطلقنا عليه قرابة خمسين رصاصة… كنا نعلم أن فرصة نجاتنا لا تتجاوز واحدًا في المئة»,

أُصيبت السيارة إصابات مباشرة، وتبيّن لاحقًا أن عدي أُصيب 17 إصابة، أدّت إلى شللٍ دائم وعجزٍ جسدي معروف , لم تستغرق العملية أكثر من دقيقة. انسحبت المجموعة بهدوء، دون مطاردة أو اشتباك، ثم غادرت بغداد باتجاه الجنوب، وعادت إلى الأهوار  , آثرت المجموعة الصمت، لا خوفًا، بل لسببين: إرباك النظام ليظن أن الضربة جاءت من داخله , حماية عوائلهم داخل العراق , لكن ما لم يكن في الحسبان وقع لاحقًا , فقد أُلقي القبض على أحد أفراد المجموعة في الأردن، في قضيةٍ لا صلة لها بالعملية، وسُلّم إلى الأجهزة الأمنية العراقية، واعترف – تحت التعذيب – ببعض التفاصيل , ومن هنا بدأ الانتقام الحقيقي , المجزرة ,كان انتقام النظام وحشيًا: أُعدم والد سلمان شريف وإخوته السبعة , وأُعدم والد المنفذ مؤيد راضي وثلاثة من إخوته , وأُعدم والد عبد الحسين جليد , هُدمت منازل العوائل، وصودرت ممتلكاتهم , وفي مشهدٍ لا يُنسى، دخلت سيارات تحمل جثامين الشهداء إلى مدينة الشطرة، ترافقها أجهزة الحزب والجرافات , وُضعت الجثامين، ثم صدر الأمر: الهدم… بلا بناء , هُدمت الدار، وأُلقي الأثاث والطابوق في شط الغراف , لم ينجُ من تلك العائلة إلا الأستاذ سلمان شريف , لهذا، حين يخرج اليوم من يستخفّ بهذه القضية، أو يردّها إلى رواياتٍ واهية، نقول بهدوء: نحن أهل القصة، ولسنا ناقلين عن ظنون، ولا معتمدين على مقالات , نحن نعرف التفاصيل… ونعرف الثمن , ومن أراد الحقيقة، فليُعمل عقله قبل لسانه، فالتاريخ لا يُكتب بالخوف، ولا تُفهم الوقائع بالخيال.





اعتزاز حسن... حين انتصر الإنسان على الموت دعنا من ضجيج الخلافات الفقهية، ومن معارك الكلمات التي استهلكت القرون؛ هذا يسب، وذاك يرد، وهذا يؤ...