محاولة غتيال الملعون عدي صدام حسين عام 1996م
حين تُروى الحقيقة من أفواه أهلها
في أحد مجالسنا العشائرية، حضر إلينا رجلٌ غريبٌ بمقامه،
قريبٌ بنسبه، بعيدٌ بغربته, هو ابن عمٍّ لنا من آل زركان، طبيبٌ عُرف بعلمه
ومكانته، غادر العراق منذ ثمانينيات القرن الماضي، واستقر في دولةٍ أخرى، حتى بلغ
هناك منصب وكيل وزارة الصحة , ومع ما منحه الاغتراب من أمانٍ واستقرار، ظل قلبه
معلّقًا بالعراق وأهله , طلب الرجل لقاء عددٍ من أبناء عشيرته، فكان الموعد في
مضيف الشيخ مهدي آل مناحي – رحمه الله – حيث اجتمع الرجال. وكان بين الحضور رجلٌ
يعرفه القريب والبعيد، لكنه آثر الصمت طويلًا: الأستاذ سلمان شريف دفّار الزركاني
, قال الطبيب بهدوءٍ لا يخلو من شوق: «أريد أن أسمع القصة كاملة لمحاولة اغتيال
عدي صدام… كما جرت، لا كما تناقلتها الألسن» , فقد كثرت الروايات حول حادثة عام
1996، وتضاربت التحليلات حتى تحولت الحقيقة عند البعض إلى خيالٍ سياسي: قيل إنها
محاولة انقلاب، وقيل إن جهاتٍ متعددة تبنّتها، وقيل – وهو الأغرب – إن صدام نفسه
دبّر إصابة ولده، في سيناريو أمني مفبرك , وهنا لا بد من التوقف قليلًا: أيُعقل أن
رجلاً قتل رفاقه، وأعدم أقرب المقرّبين إليه، وعاث في البلاد قمعًا، يعجز عن سجن
ابنه أو قتله إن أراد؟ , إن مثل هذا القول لا يستند إلى دليل، بل إلى صورةٍ وهمية
صنعتها رهبة النظام في أذهان من لم يقتربوا من الحقيقة , أما الحقيقة، كما رُويت
من قائد المجموعة نفسه، فكانت واضحة، دقيقة، خالية من الادعاء , بداية التخطيط , بدأ
الإعداد للعملية مطلع عام 1996، عبر مقري جعفر الطيار و15 شعبان لمجاهدي الأهوار،
في منطقة زورة آل جويبر، التابعة لهور الحمار قبل تجفيفه , وأشرف على التخطيط
القائدان الميدانيان: رزاق ياسر مظهر الغالبي (سيد حمزة) جبار قاسم دعبل الحچامي
(أبو رياض البنّا) وكان حلقة الوصل مع بغداد المجاهد أبو زهراء الشطري , أما
التنفيذ، فتولّته مجموعة صغيرة من الشباب، آمنت أن مقاومة الطغيان واجب، مهما كان
الثمن , قاد المجموعة الشاب سلمان شريف دفّار الزركاني، وكان في السابعة والعشرين
من عمره، وشارك معه: مؤيد راضي حسين الچروخي السراجي (أبو صادق) – المنفذ الرئيس
لإطلاق النار , عبد الحسين جليد عاشور (أبو سجاد) – للإسناد وتأمين الانسحاب , وتحسين
مجيد عبد مكتوب (أبو زهراء) سائق السيارة ومسؤول النقل , الاستطلاع والتنفيذ , سبقت
التنفيذَ أشهرٌ من الرصد والمتابعة , استأجر الشهيد تحسين دارًا في مدينة الصدر
(قطاع 45)، وكان ينقل المجموعة كل ليلة خميس إلى حي المنصور، بعد أن تبيّن لهم أن
عدي صدام لا يظهر هناك إلا في هذا التوقيت , ويقول سلمان شريف: «انتظرنا أسابيع.
وفي مرةٍ اقترح الإخوة إلغاء العملية خوفًا من انكشافها، لكنني طلبت فرصة أخيرة» ,
وفي مساء الخميس المنتظر، عند الساعة السابعة تقريبًا، ظهر عدي صدام يقود سيارة
بورش ذهبية اللون، دون حماية مباشرة. توقف فجأة في الشارع، ويبدو أنه نزل لاستدراج
فتاة. وعند وصوله إلى النقطة المحددة، أُعطي الأمر : «أطلقنا عليه قرابة خمسين
رصاصة… كنا نعلم أن فرصة نجاتنا لا تتجاوز واحدًا في المئة»,
أُصيبت السيارة إصابات مباشرة، وتبيّن لاحقًا أن عدي أُصيب 17 إصابة، أدّت إلى شللٍ دائم وعجزٍ جسدي معروف , لم تستغرق العملية أكثر من دقيقة. انسحبت المجموعة بهدوء، دون مطاردة أو اشتباك، ثم غادرت بغداد باتجاه الجنوب، وعادت إلى الأهوار , آثرت المجموعة الصمت، لا خوفًا، بل لسببين: إرباك النظام ليظن أن الضربة جاءت من داخله , حماية عوائلهم داخل العراق , لكن ما لم يكن في الحسبان وقع لاحقًا , فقد أُلقي القبض على أحد أفراد المجموعة في الأردن، في قضيةٍ لا صلة لها بالعملية، وسُلّم إلى الأجهزة الأمنية العراقية، واعترف – تحت التعذيب – ببعض التفاصيل , ومن هنا بدأ الانتقام الحقيقي , المجزرة ,كان انتقام النظام وحشيًا: أُعدم والد سلمان شريف وإخوته السبعة , وأُعدم والد المنفذ مؤيد راضي وثلاثة من إخوته , وأُعدم والد عبد الحسين جليد , هُدمت منازل العوائل، وصودرت ممتلكاتهم , وفي مشهدٍ لا يُنسى، دخلت سيارات تحمل جثامين الشهداء إلى مدينة الشطرة، ترافقها أجهزة الحزب والجرافات , وُضعت الجثامين، ثم صدر الأمر: الهدم… بلا بناء , هُدمت الدار، وأُلقي الأثاث والطابوق في شط الغراف , لم ينجُ من تلك العائلة إلا الأستاذ سلمان شريف , لهذا، حين يخرج اليوم من يستخفّ بهذه القضية، أو يردّها إلى رواياتٍ واهية، نقول بهدوء: نحن أهل القصة، ولسنا ناقلين عن ظنون، ولا معتمدين على مقالات , نحن نعرف التفاصيل… ونعرف الثمن , ومن أراد الحقيقة، فليُعمل عقله قبل لسانه، فالتاريخ لا يُكتب بالخوف، ولا تُفهم الوقائع بالخيال.
تعليقات
إرسال تعليق