الخميس، 11 يونيو 2026

اعتزاز حسن... حين انتصر الإنسان على الموت

دعنا من ضجيج الخلافات الفقهية، ومن معارك الكلمات التي استهلكت القرون؛ هذا يسب، وذاك يرد، وهذا يؤوّل، وذاك يخاصم.. كل ذلك، مع ما فيه من ألم ومرارة، يبقى في دائرة القول، والله تعالى هو الحكم العدل، وإليه تُرفع الخصومات، وعنده تجتمع الخصوم.. ولا يعني هذا أن نتخلى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو أن نصمت عن الباطل؛ فالدفاع عن الإسلام قيمة نبيلة، لكن السؤال الجوهري هو: أيُّ إسلام ندافع عنه؟ أهو الإسلام الذي فتح القلوب قبل البلدان؟ أم إسلام الغضب الذي لا يرى في الإنسان إلا خصمًا ينبغي إلغاؤه؟.. لقد كان النبي (ص) رحمةً تمشي على الأرض، وكان أهل بيته (ع) مدارس للأخلاق قبل أن يكونوا مدارس للجدل والانتصار للنفس , وما قيمة العقيدة إذا لم تصنع إنسانًا أكثر رحمة، وأكثر عدلًا، وأكثر قدرة على حماية الضعفاء؟.. هنا قصةٌ فيها آلاف المعاني، ومن تلك المعاني بيان الانتماء الحقيقي للإنسانية والرحمة؛ لأن هذه الأمور تُتعلَّم، وهي عقيدة مكتسبة، لا أمور ذاتية، وبيانٌ للدين الذي يدعو إلى الحياة والتعايش، والآخر الذي يدعو إلى التوحش والدموية والإرهاب.. بطل هذه القصة هو الفتى الباكستاني اعتزاز حسن، والاسم يدل على مذهبه، وتضحيته تظهر حقيقة انتمائه, ذلك الشاب الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، كان في طريقه إلى مدرسته حين علم بوجود انتحاري يحاول دخول المدرسة لتفجير نفسه بين آلاف الطلبة الأبرياء.. لم يكن أمامه وقتٌ للمناظرات، ولا فسحةٌ لإلقاء الخطب. كانت هناك لحظة واحدة فقط: أن يهرب لينجو بنفسه، أو أن يتقدم لينقذ الآخرين.. فاختار ذلك الرافضي الشيعي الصفوي، كما يطلق عليه بعضهم، الطريق الأصعب.. تصدى للإرهابي، واشتبك معه محاولًا منعه من الوصول إلى أهدافه، وفي أثناء ذلك فجّر المهاجم نفسه، فاستشهد اعتزاز مع اثنين من رفاقه، لكنه أنقذ آلاف الأرواح.. إن البطولة الحقيقية ليست أن تموت وأنت تحمل الموت للآخرين، بل أن تموت كي تمنح الآخرين فرصة للحياة, ولعل أبلغ ما قيل في وصف تضحيته تلك الكلمات التي نطق بها والده:" لقد أبكى ابني أمه، ولكنه حمى مئات الأمهات من البكاء على أطفالهن.", إن هذه العبارة تختصر الفرق بين عقيدتين متناقضتين في صناعة الإنسان: عقيدة ترى الإنسان أمانةً يجب حفظها، وأخرى ترى الإنسان وقودًا لمشاريع الكراهية , وإن الفتى الذي تربى على حب التضحية والإيثار لم يسأل عن أسماء زملائه، ولا عن مذاهبهم، ولم يفتش في جيوبهم عن هوياتهم الفكرية قبل أن يقرر إنقاذهم، لقد رأى فيهم بشرًا يستحقون الحياة , عقيدةٌ نابعة من قدوة تعيش معه وفيه، تقول: الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق." , وفي المقابل، فإن الإرهاب حين يستولي على العقل، لا يعود يرى في الأطفال إلا أرقامًا، وفي المدارس إلا أهدافًا، وفي الدماء إلا وسيلةً لبلوغ أوهام صاغها الجهل والتعصب , وتفجير النفس بناءً على الاعتقاد بأن ذلك يضمن الإفطار مع النبي أو نيل حور العين، أمرٌ يتنافى مع جوهر الدين. لقد أوصى النبي (ص) في الحروب ألا يُقتل طفل، ولا امرأة، ولا شيخ فانٍ، ولا راهب في صومعته، وألا تُقطع شجرة، ولا يُهدم عمران. فكيف بمن يحوّل المدارس إلى مقابر جماعية، والأسواق إلى ساحات للذبح، ودور العبادة إلى أهداف مشروعة؟ , إن المشكلة ليست في اسم الدين الذي يرفعه الإرهابي، بل في القراءة المشوهة التي تقتل جوهر الدين نفسه. فليس كل من تكلم باسم الله كان ممثلًا لله، ولا كل من رفع شعار الإسلام كان معبرًا عن أخلاق الإسلام , ومن هنا، فإن مسؤولية المؤرخين والمفكرين والكتّاب لا تقف عند حدود التوثيق، بل تمتد إلى فضح الخطابات التي تصنع الوحوش باسم المقدس، وتكشف الفارق بين التدين الذي يحمي الإنسان، والتدين الذي يحوله إلى مشروع موت , وأن لا يُذكر اسم الإسلام على هؤلاء؛ فتسمية الأشياء بأسمائها حقٌّ لا ينبغي التفريط به، لأن تمييع الحقائق قد يتحول إلى نوع من التواطؤ مع الظلم. فمن فجّر مدرسة وقتل الأطفال عمدًا هو إرهابي ومجرم، ولا يصح تجميل فعله أو البحث له عن أعذار سياسية أو مذهبية , وإن الدين الأموي هو الذي أسس لهذا النهج، ولا يختلف العقلاء والمنصفون في ذلك , وإن هذا الشهيد، والمعنى الحقيقي للشهادة، اعتزاز حسن, لم يترك وراءه مؤلفات فلسفية، ولم يعتلِ منابر السياسة، لكنه كتب بدمه سؤالًا أخلاقيًا سيظل يلاحق الضمير الإنساني: أيُّ الطريقين أقرب إلى الله: طريق من يموت لينقذ الأطفال، أم طريق من يقتل الأطفال وهو يظن أنه يقترب من الجنة، ويفجّر جيفته بينهم؟ , هناك، في تلك اللحظة الفاصلة، انتصر فتى في الخامسة عشرة على ثقافة الموت بأكملها , رحل اعتزاز، لكنه ترك درسًا خالدًا: أن الإنسان قد يكون صغير السن، لكنه كبير المبادئ، وأن الأديان لا تُقاس بكثرة الشعارات، بل بنوعية الإنسان الذي تصنعه. فالرحمة هي الامتحان الحقيقي لكل عقيدة، وكل فكر، وكل دعوة. أما الذين يتاجرون بالجنة عبر جثث الأبرياء، فإنهم لا يمثلون الدين، بل يمثلون الهزيمة الأخلاقية للإنسان حين يفقد قلبه، ويظن أن الله يُعبد بالكراهية. وسيظل اسم اعتزاز حسن شاهدًا على أن البطولة ليست في القدرة على القتل، بل في الشجاعة التي تجعل الإنسان درعًا يحمي حياة الآخرين، ولو كان الثمن حياته هو.

الصورة الاولى طفل تربى على الدماء والغدر 

والثانية للشهيد اعتزاز حسن تربى على الايمان وصناعة الانسان 



اعتزاز حسن... حين انتصر الإنسان على الموت دعنا من ضجيج الخلافات الفقهية، ومن معارك الكلمات التي استهلكت القرون؛ هذا يسب، وذاك يرد، وهذا يؤ...