الحرب على الاخلاق والقيم 

لم تعد كثير من الثورات والاحتجاجات في عالمنا المعاصر تُقرأ بوصفها حركات مطلبية خالصة، بل تحوّلت في حالات عديدة إلى ساحات صراع ثقافي وهويّاتي، ولا سيما في البلدان التي تمتلك ارتباطًا دينيًا عميقًا أو عقيدة خاصة متجذّرة في وعي المجتمع، وخصوصًا مجتمعات أتباع أهل البيت عليهم السلام. فالسؤال الجوهري لم يعد: لماذا يخرج الناس؟ بل: لماذا تُوجَّه بعض الاحتجاجات لتصطدم مباشرة بالدين والأخلاق والرموز المقدسة، ولماذا تحظى بدعم سياسي وإعلامي ومالي من القوى الكبرى؟

هذه البلدان، على اختلاف ظروفها الاقتصادية والسياسية، تشترك في كونها لم تفقد هويتها بالكامل بعد، ولا تزال تمتلك منظومة قيم ترى في الدين مرجعية أخلاقية وتنظيمية للحياة. وهذا ما يجعلها، في نظر المنظومة الغربية المهيمنة، مجتمعات “غير منسجمة” مع النموذج العالمي السائد، الذي يقوم على الفردانية المطلقة، والاستهلاك، وتحرير الإنسان من أي ضابط قيمي أعلى. من هنا يصبح الدين ـ لا الفساد ولا سوء الإدارة ـ هو الخصم الحقيقي في كثير من الخطابات المصاحبة لهذه التحركات.

الدعم الخارجي لهذه الاحتجاجات لا يأتي بدافع إنساني خالص، بل تحكمه حسابات مصالح واضحة. فالدول الكبرى لا تدعم حركات تهدد منظومتها القيمية أو الاقتصادية، لكنها تتحمس لأي مسار يضعف الخصوصيات الثقافية والدينية للشعوب، ويفتح الطريق أمام إعادة تشكيل الوعي الجمعي بما يتوافق مع مصالحها. ولهذا نلاحظ أن الإعلام الموجَّه لا يركّز طويلًا على قضايا العدالة الاجتماعية أو محاربة الفساد، بل ينقل الصراع سريعًا إلى ساحة “الحريات الشخصية” ونمط الحياة. في هذا السياق، تُرفع شعارات المثلية والانفلات الأخلاقي لا بوصفها خيارات فردية معزولة، بل كرموز أيديولوجية صدامية. إنها أدوات لكسر المرجعية الدينية، واستفزاز المجتمع المحافظ، وفرض تعريف واحد للحرية، يُقصي أي تصور آخر. فكل من يرفض هذا النموذج، حتى لو كان رفضه أخلاقيًا أو فلسفيًا، يُتهم بالتخلف والعداء للإنسان.

الأخطر من ذلك هو قلب المفاهيم. فالعفة تُصوَّر قيدًا، والحياء يُقدَّم عقدة نفسية، والشرف يُسخر منه بوصفه إرثًا متحجرًا، بينما تُمنح المجاهرة بالعهر، والتطاول على المقدسات، والإساءة للذوق العام صفة “التقدم”. وهنا لا نكون أمام تحرير للإنسان، بل أمام عملية نزع إنسانيته، وسلخه عن أي ضابط أخلاقي يحميه من التحول إلى كائن استهلاكي بلا معنى.

الحرية، في جوهرها الإنساني، لا تعني الفوضى ولا العدوان على مقدسات الآخرين، بل تعني الكرامة والعدالة والمسؤولية. أما الحرية التي يُروَّج لها في كثير من هذه الحركات، فهي حرية انتقائية، تسمح بالإساءة ولا تسمح بالاعتراض، وتحمي الانحراف باسم الثقافة، وتجرّم الأخلاق باسم التنوير.

إن ما يجري في كثير من هذه البلدان ليس مجرد صراع سياسي، بل هو صراع على الهوية والمعنى. صراع بين إنسان يرى حريته منضبطة بالقيم، وإنسان يُراد له أن يكون بلا سقف ولا مرجعية، سهل التوجيه والتفكيك. والوعي الحقيقي لا يكون برفض كل احتجاج، ولا بتقديس كل ثورة، بل بتمييز الحق من التوظيف، والعدل من الفوضى، والحرية من الهدم المقنّع


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة