قصة السيد محسن الحكيم بين قداسة المرجعية وزيف الاتهامات..
الكلمة أمانة، والصورة أمانة، ومن الخطأ الكبير أن تُستغلّ رموز الدين والعلم والصلاح لتشويه الحقيقة أو لصنع معارك
وهمية. وللأسف نرى في بعض الصفحات مَن يضع صورة المرجع الكبير السيد محسن الحكيم ، ويكتب تحتها كلاماً لا يليق بمرجعيةٍ اجتمع على تقليدها العراقيّون وسائر البلدان الإسلامية، وهو مقام لم يحظَ به غيره في تاريخ المرجعية الحديث , فقد كان عالماً زاهداً متواضعاً، لا يردّ سائلاً ولا يمنع أحداً من لقائه مهما كان صغيراً أو كبيراً. وفي أواخر أيامه، اضطرّ إلى تنظيم دخول الزائرين لكثرتهم، فحصل أن منع الموظف الجديد شقيق السيد الأكبر لعدم معرفته به، فدخل عليه قائلاً بصوتٍ هادئ مستغرب: «شنو الموضوع سيد محسن؟ تمنعني من الدخول عليك؟» فاعتذر السيد إليه بكل احترام، وأمر ألّا يُمنع أحد من الناس، بل يُستقبلوا ويُكرموا جميعاً , لم يكن للسيد الحكيم تاريخ يُستغل ضد الدين، بل كانت مواقفه كلها دفاعاً عن الإيمان والهوية. دافع عن الأكراد وهم ليسوا من قوميته ولا منطقته ولا مذهبه، وحَرَّم قتالهم، وقد كانت فتوى قتالهم صادرة من جهة أخرى تنتمي إلى مذهبهم نفسه. وقد تعرّض السيد فيما بعد للأذى المعنوي والمادي بسبب موقفه هذا، لأن البعث كان يحارب الأكراد، فجاء بعض المتناقضين اليوم ليقولوا: إن فتواه كانت في صالح البعث! وهذا من قلب الحقائق. فالإيمان إيمان، والإلحاد إلحاد، مهما اختلفت الانتماءات , ومن مواقفه المشهورة أنه حين سُئل عن الشيوعية قال كلمته الشهيرة في 20 شباط 1960: «الشيوعية كفرٌ وإلحاد» وهي كلمة تنسجم مع واقع فكرهم ومبادئهم التي أعلنها قادتهم، حيث يعتبرون الدين أفيون الشعوب، ويحلّلون المحرّمات، ويفتحون باب الانحلال بكل أشكاله... وهذه الفتوى لم تكن منفردة، بل كانت هناك فتاوى مماثلة من كبار مراجع الأمة: السيد أبو القاسم الخوئي والسيد عبد الهادي الشيرازي , والشيخ عبد الكريم الجزائري وغيرهم من أعلام الطائفة، وقد قال الشيخ الجزائري: «الشيوعية هدمٌ للدين وكفرٌ وضلال، فلا يجوز الانتماء لها بوجه من الوجوه، كفى الله المسلمين شرّها».
فالمرجعية لا تستهدف حزباً ولا تخدم أجندة سياسية، بل تحفظ العقيدة وتواجه الفكر الإلحادي أينما كان. وقد وقفت من البعث موقفاً مبدئياً أيضاً، لأن المرجعية فوق جميع الأحزاب، ترشد ولا تُرشد، وتقود ولا تُقاد. لكن الخصوم ـ جهلاً أو حقداً أو حسداً ـ حاولوا استغلال تلك الفتوى للطعن بالمرجعية وآل الحكيم، يعيدون قصة باهتة كلما أعوزتهم الحجّة. ويروي أحد الملتصقين بالواقع آنذاك، وهو خال يُدعى «أبو .. »، أن سائلاً قال له:– أحقاً أن الشيوعية كفر وإلحاد؟
فابتسم وقال: قبل أن أجيب عن سؤالك هذا، سأطرح عليك سؤالاً يكون جوابه مفتاحاً لموضوعنا: ما رأيك لو سمعتَ شخصاً يقول إنّ الشيوعيين لصوصٌ، ومرتشون، وفاسدون، وإنّ قادتهم يقبعون خلف قضبان النزاهة في السجون العراقية؟
قال نعم، لأنهم بلا مناصبٍ علياٍ والسرقة والرشوة نوع من الفساد لا كله يا خال ؟ والذين يحلّلون كل محرَّم، ويُبيحون الخمر، ويروّجون لشعاراتٍ منحطّة مثل: «بعد شهر ماكو مهر… والقاضي نذبه بالنهر»، ويعدّون العفّة والحجاب والدين مجرّد أوهام، كما قال رمزهم الإلحادي «كارل ماركس»: «الدين أفيون الشعوب». هل هؤلاء شرفاء ولديهم نزاهة , فالسرقة لا تختلف عن التدهور الأخلاقي والانحلال؛ والتي كلها في ميزانهم مباحة، لأنها لا تقوم على إيمانٍ ولا على منظومة قيمٍ سماوية ، ويصف الدين بأنه مخدّر للعقول… هل هو مؤمن أم كافر؟
والحرامي حرامي الدين ليس له علاقة به كما الملحد لا علاقة له به الانحراف الأخلاقي والدين الأول افضل من الثاني محابة الاخلاق , فأين الحياء؟ أين حدود الله؟ وهل يُجمع الإيمان مع فكر ماركس الإلحادي؟وهكذا شهد أصحاب الفكر على أنفسهم قبل شهادة العلماء عليهم... ومن نتائج تلك المواجهة الفكرية أن شاعراً شيوعياً كان يكتب قصائد للرواديد الحسينيين، ادّعى المحبة لأهل البيت (ع)، فلما صدرت فتوى السيد الحكيم انكشف ما يخفيه قلبه، وكتب قصيدته المسيئة مخاطباً السيد: «يا آية الله شلون آية… وتعتز بحدَيِد وبعبّاية» فدلّت ألفاظه على حقيقته، وأن ما كان يظهره للدين مجرد قناع يخفي إلحاداً وعداءً. واليوم، وبعد مرور العقود، لا تزال المرجعية العليا في النجف الأشرف ممثلةً بالسيد السيستاني (دام ظله) وسائر المراجع تُجلّ السيد الحكيم، وتعدّه رمز المرجعية العليا ونهجها الأصيل في حماية الدين والمجتمع.
وفي المقابل، ما يزال أعداء الحق والجهلة يرددون الشبهات القديمة لمحاولة تشويه التاريخ الناصع للطائفة ولدور آل الحكيم في خدمة الأمة. فهل نصدّق أهل العلم والورع الذين يحملون إرثاً من نور؟أم نتّبع كلمات من لا دين لهم ولا خُلق؟!
إن التاريخ ينطق بأن السيد الحكيم بقي لله، فبقي الله له الذكر الحسن.
خلّد اسمه في ضمائر المؤمنين، وسيظلّ رمزاً للدفاع عن العقيدة ضد كل فكر منحرف.. وسيظلّ صوت الحق أعلى: المرجعية كانت وستبقى صمّام أمان هذه الأمة , لا تركع لسلطة، ولا تتلوّن بلون حزب، بل تقف دائماً مع الله… والله مع الصادقين.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة