صناعة الذات..
الإنسان أشبه بكرَةٍ تتدحرج في ساحة الدنيا
نحو الهدف الأسمى، غير أنّ هذه الساحة ليست مستوية، بل مليئة بالمنعطفات والمطبات.
فقد تنحدر الكرة أحيانًا إلى مياه آسنة تكاد تغرقها، وأحيانًا أخرى تمرّ بمياه
عذبة تمنحها حياة جديدة. وقد تصمد وتتجاوز المحنة لتنطلق من جديد، أو قد تستسلم
فتتلاعب بها الرياح حتى ينتهي بها المطاف بين أقدام الزمان مطروحة في أقرب مزبلة، لكن
الفارق الجوهري يكمن في أن هذه الكرة لو كانت تُفكّر في التكامل لأجل الوصول،
لبلغت الهدف، وكانت النتيجة فوزًا ونجاحًا. أمّا إذا تركت نفسها للريح، فإنها تهلك
قبل بلوغ الغاية. وهكذا هو الإنسان؛ يحمل في أعماقه رغبة صادقة في أن يصنع ذاته
ويحقّق معنى وجوده، غير أنّ هذه الصناعة ليست عبثًا ولا تقوم على الهوى، بل على ما
رسمه الله تعالى لعباده من طريق الهداية والتكامل.
إنّ بناء النفس هو أوّل خطوات صناعة
الذات، وهو أصعبها في الوقت نفسه؛ لأنّ الإنسان قد يغلب غيره، لكن أعظم نصر يحققه
هو أن يغلب نفسه وشهواتها، وأن يُلزمها بطاعة الله. وقد قال أمير المؤمنين (ع) «أفضل الجهاد جهاد النفس عن الهوى»، وفي هذا
المعنى إشارة واضحة إلى أن صناعة الذات تبدأ من الداخل، من تهذيب الروح وتقويم
السلوك.
ومن يضع أمامه رضا الله غاية، يجد أنّ حياته كلّها تتحوّل إلى مدرسة للتزكية والارتقاء. فالصبر صناعة، والصدق صناعة، والعمل الصالح صناعة، وكلّها أدوات لبناء الذات وفق المنهج الإلهي، إننا نعيش ما تبقّى من أعمارنا في رحلة امتحان، نرجو أن نختمها برضوان الله. لذا كان دعاؤنا الدائم: اللهم وفقنا لصناعة ذواتنا بما يرضيك، واهدنا سبيلك المستقيم.

تعليقات
إرسال تعليق