هل ظلمت الزهراء؟ هل شرّع النبي ما يخالف العدل؟

بقلم: عادل الزركاني

سؤالٌ عميق ومصيري، يتعلّق بإحدى القضايا المحورية في التاريخ الإسلامي، قضيةٍ لم تكن مجرد خلاف على قطعة أرض أو إرث مالي، بل كانت اختبارًا حيًّا لمفهوم العدالة، ومِحكًّا حقيقيًّا لمكانة أهل البيت في الأمة. إنها قضية فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ابنة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، التي مُنعت من إرث أبيها، وقيل لها: "ما تركه رسول الله صدقة، لا يُورث!", وهنا يُطرح السؤال الأشد خطورة: هل ظُلمت الزهراء؟ وهل شرّع النبي ما يخالف العدل الإلهي؟ وهل يصح أن تُعامل بنت النبي كما تُعامل سائر نساء قريش؟ , فإن سلّمنا – مجازًا – مع من يقول إن للنبي خصوصية تشريعية، وإن ابنته تُعدّ كأي امرأة من نساء المسلمين، فكيف لم تُمنع نساء النبي من الميراث؟ زوجاته جميعًا ورثن بيوته، وأخذن حصتهن من الثمن، كما نصّت عليه الشريعة. أما فاطمة، وهي ابنته الوحيدة، فإنها – بحسب نصوص القرآن – ترث النصف إن لم يكن معها أخت، فأين ذهب هذا الحق؟! بل إنها كانت تسكن في بيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلو لم تكن متزوجة، لأجاز فقه الواقع أن تُخرج من بيت أبيها وتُلقى في الطريق! , ولكن الزهراء (عليها السلام) لم تطالب بدافع دنيوي، وإنما خرجت لتُقيم الحجة على الأمة، وتدافع عن المبدأ، وتكشف الغصب. فهي الزاهدة العابدة، التي مجلت يداها من الطحن على الرحى في حياة النبي، فهل كانت تطمع في مال الدنيا بعد رحيله؟! , طالبت فاطمة بفدك، الأرض التي كانت في يدها، والتي وهبها النبي لها في حياته كما رُوي. لكن أبا بكر رفض، واستند إلى حديث منسوب إلى النبي: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة... فقابلته الزهراء بالقرآن، وقالت – كما رُوي عنها:"أترثك بناتك ولا أرث أبي؟!" , وهنا تقف آيات الله ناطقةً بالحق: "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ...وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ...يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ...كل هذه النصوص تدل على أن الأنبياء يورّثون، فهل يُلغى هذا الحكم الصريح بحديث آحاد، لم يروه إلا راوي واحد، وصار فيما بعد ذريعة لتجريد آل البيت من حقوقهم؟ , خرجت الزهراء غاضبة من مجلس الخليفة، وفي طريقها لقيها عمر بن الخطاب، فسألها:من أين جئتِ يا فاطمة؟", قالت: "من عند أبي بكر، أخبرته أن رسول الله أعطاني فدك، وأن عليًا وأم أيمن يشهدان بذلك، فأعطانيها وكتب بها كتابًا . فما كان من عمر إلا أن أخذ الكتاب، وقال: إن عليًا يجرّ إلى نفسه، وأم أيمن امرأة!" ثم بصق في الكتاب، ومزقه، وخرّقه! , أي احترامٍ هذا لبنت رسول الله؟! أي فقهٍ يبرّر البصق في وثيقة حُقوقية تحمل أثرًا نبوياً؟! وأي إيمان يتغاضى عن غضب الزهراء، وقد قال فيها النبي (صلى الله عليه وآله): فاطمة بضعة مني، من أغضبها فقد أغضبني , وقد قالت الزهراء، كما في صحيح البخاري:"فوالله لأدعونّك في كل صلاة... ولماذا لا يكون العكس عمر هو الذي يجر الى نفسه وهو الذي يجري , ولماذا فعل ذلك وأبو بكر لم يفعل ذلك وهل هو احرص من الخليفة او انه يعلم انه بعده والحكم لهم دون غيرهم , ومن العجب العجاب، أن يُتّهم عمر في "رزية الخميس" بأنه قال: إن رسول الله يهجر، أو (غلبه الوجع!" في قولهم لتخفيف الكلمة ) حين أراد النبي أن يكتب للأمة كتابًا لا تضل بعده، فمُنع من ذلك. وهم أنفسهم الذين مزّقوا كتاب ابنته، وبصقوا فيه، وخرّقوه! فهل لو كُتب كتاب النبي في رزية الخميس، لكان مصيره إلا كمصير كتاب الزهراء؟! النتيجة المؤلمة واحدة: كتاب رسول الله للأمة قد مُنع، وكتاب ابنته مُزّق ومُحِيَ، فأين هي حرمة السنة؟ وأين هو الاحترام لآل محمد؟ ثم يأتي من يُبرر فعل هؤلاء، ويتهم فاطمة بالخروج عن أمر أبيها! فأين النصّ الذي منعها من إرثه؟ وأين هو التشريع الذي يُبطِل القرآن بحديثٍ منفرد؟ لو كانت القضية مجرد حديث، لهان الأمر. لكنه حديثٌ انفرد به راوٍ واحد، وأُقيمت به دولة كاملة صادرت إرث بيت النبوّة باسم الدين! وها هنا يفرض العقل سؤاله:من هو المستفيد من حرمان فاطمة من إرثها؟ , الجواب واضح: الدولة الجديدة، التي أرادت حصر الأموال ببيت المال، ونزع القوة من يد آل محمد (صلى الله عليه وآله)، وإقصاء رموز الوحي , فدك لم تكن محل نزاع في حياة النبي، وكانت في يد فاطمة، فلماذا انتُزعت منها بعده؟! , بل كيف يُقتحم بيتها، وتُفتّش بيوت أهل البيت، ويُدخل عليهم بالقوة بحجّة التفتيش عن مال، أو إخراج علي بن أبي طالب للبيعة؟! , إنها لم تكن حادثة فردية، بل عملية ممنهجة لتهميش أهل البيت، وتمييع حقهم، وتقوية دولة قريش في وجه بيت الوحي , بل حتى الحديث الذي تمسّك به القوم، خالفه عمر بن عبد العزيز – الخليفة الأموي – حين ردّ فدك إلى أولاد فاطمة، وقال أمام مشايخ بني أمية وأهل الشام: فاطمة عندي صادقة فيما تدّعي، وإن لم تقم بينة، وهي سيدة نساء الجنة. وأنا أردّ فدك إلى ورثتها، وأرجو بذلك شفاعة رسول الله يوم القيامة. ولو كنت مكان أبي بكر، وادّعت فاطمة شيئًا، لصدّقتها . فهل من حُسن في خلافةٍ لا تثق بشهادة فاطمة، وهي سيدة نساء الجنة؟ , ويقولون: إن فاطمة ورثت العلم والحكمة، لا المال , فنقول: أين أثر هذا الإرث؟ وأي إرثٍ يُكذّب صاحبته، ويُمزّق كتابها، وتُهان كرامتها؟! , إن كانت فاطمة أعلم الخلق بعد نبي الله، فشهادتها أولى بالقبول، وكلامها امتدادٌ لكلام أبيها، فهل يُبصق في ورقتها وتُخرق؟! , أي أمةٍ هذه، تُمزق كتاب بنت نبيها؟! وأي فقه هذا، يسكت عن الظلم؟! , لسنا ممّن يُطلق التهم جزافًا، لكننا نطالب بإحقاق الحق، ورفع الغطاء عن مظلومية سكت عنها التاريخ طويلًا , فاطمة الزهراء (عليها السلام) لم تكن امرأة عادية، بل كانت ميزان الحق والباطل، ومِحك رضا الله ورسوله , فكيف يُغضبها من نُسبوا إلى الخلافة؟! وكيف يُبرّر ذلك باسم "الاجتهاد"، إن كان الاجتهاد يُبطل آيات الإرث، ويهدر كرامة البضعة الطاهرة؟! , فاطمة الزهراء (عليها السلام) لم تُظلَم من ربها، ولا من نبيها، بل من قومٍ تجاهلوا منزلتها، وأسكتوا حجّتها، وصادروا إرثها، باسم الدين والسلطان , وإنها – كما قال الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) – شهيدةٌ لمظلوميةٍ لم يُكشف عنها النقاب بعد..."


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة