هذا هو ابنُ الرضا؟
كانَ
الليلُ العبّاسيُّ ثقيلاً…
ثقيلًا
كأنَّهُ يحملُ فوقَ كتفيهِ تاريخَ أُمّةٍ خائفة،
والقصرُ
يغلي بالصمتِ أكثرَ مما يغلي بالكلام،
مصابيحُ
الزيتِ ترتجفُ على جدرانِ بغداد،
والوجوهُ
الممتلئةُ بالحريرِ والذهبِ كانت تخفي وراءها رعبًا لا يُقال.
لم
يكنِ المأمونُ يخشى سيفًا…
فالسيوفُ
عندهُ كثيرة، ولم يكن يخشى ثورةً…
فالجنودُ
يملؤون الأرض.
لكنَّهُ
كان يخشى شيئًا آخر: ذلك النورَ الذي لا يُحارَب.
كانوا
يعرفون أنَّ محمدَ بنَ عليٍّ الجواد ليس طفلًا عاديًّا.
فالطفولةُ
شيء، وأبناءُ السماءِ شيءٌ آخر.
دخلَ
الإمامُ محمدُ الجواد (عليه السلام)، ثماني سنواتٍ فقط…
لكنَّ
القاعةَ شعرتْ أنَّ القرونَ كلَّها دخلتْ معه.
كانَ
وجهُهُ هادئًا كأنَّهُ خارجٌ من صلاة،
وعيناهُ
تحملانِ ذلك البريقَ الذي لا يُشبهُ عيونَ البشرِ المعتادة،
بريقَ
الذينَ رأوا الحقيقةَ قبلَ أن يخلقَ اللهُ الجدل.
وقفَ
يحيى بن أكثم، شيخُ المناظرات، رجلُ البلاطِ العباسي،
والذي
شاختْ فوقَ كتفيهِ الكتبُ والأسئلةُ والحِيَل.
نظرَ
إلى الصبيِّ طويلًا…
ثمَّ
ابتسمَ ابتسامةَ المنتصرِ قبلَ المعركة.
قالَ
بصوتٍ أرادَهُ عاليًا كي يسمعهُ الجميع: هذا هو ابنُ الرضا؟
هذا
الذي تقولُ الشيعةُ إنَّ علومَ آبائهِ تجري فيه؟
هذا
الذي تزعمونَ أنَّ الحكمةَ تسكنُ صدرَهُ؟
سادَ
الصمت.
وكانَ
المؤمنونَ ينظرونَ إليهِ لا كطفل…
بل
كامتدادٍ لوجهِ النبيِّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله).
يرونَ
فيهِ سكينةَ عليّ، وهيبةَ أبي طالب، وثباتَ عبدِ المطلب،
وإقدامَ
الحمزة، ونورَ الحسنِ والحسين.
كأنَّ
السلالةَ الهاشميةَ كلَّها قامتْ خلفَهُ في تلكَ اللحظة.
قالَ
المأمون: يا يحيى، سَلْهُ ما بدا لك.
اقتربَ
يحيى، وكانَ يريدُ سؤالًا يُسقطُ بهِ الإمامةَ أمامَ الناس،
لا
سؤالًا يُختبرُ بهِ العلم.
قالَ
متعاليًا: ما تقولُ ـ يا أبا جعفر في مُحرِمٍ قتلَ صيدًا؟
ابتسمَ
الإمامُ الجواد ابتسامةَ العارفِ لا ابتسامةَ المتحدّي،
ثمَّ
قالَ بهدوءٍ أربكَ القاعة: قتلهُ في حلٍّ أم حرم؟
عالمًا
كانَ المُحرِمُ أم جاهلًا؟ قتلهُ عمدًا أم خطأ؟
حرًّا
كانَ أم عبدًا؟ صغيرًا كانَ أم كبيرًا؟
أوّلَ
مرةٍ فعلَ ذلك أم كانَ مُعتادًا؟
من
ذواتِ الطيرِ كانَ الصيدُ أم من غيرها؟
من
صغارِ الصيدِ أم من كبارها؟ مُصِرًّا كانَ أم نادمًا؟
بالليلِ
قتلهُ أم بالنهار؟ في عمرةٍ كانَ المُحرِمُ أم في حج؟
وهنا…
لم يسقطْ السؤال، بل سقطَ السائل.
ارتجفَ
وجهُ يحيى بن أكثم.
وشعرَ
للحظةٍ أنَّ كلَّ سنواتِهِ الطويلةِ كانتْ أقلَّ من أن تقفَ أمامَ هذا البحر.
لقد
جاءَ ليُحاصرَ طفلًا…
فاكتشفَ
أنَّهُ يقفُ أمامَ مدرسةِ السماءِ كلِّها.
تبادلَ
علماءُ البلاطِ النظرات، بعضُهم خفضَ رأسَهُ خجلًا،
وبعضُهم
شعرَ أنَّ بغدادَ كلَّها تهتزُّ تحتَ قدميه.
أما
الإمامُ، فبقيَ هادئًا… كأنَّ شيئًا لم يحدث.
لأنَّ
الحقيقةَ لا تتكلّفُ الانتصار.
وهنا
بدأَ الفرقُ بينَ علمين: علمٌ حصوليٌّ يُولدُ من الورق،
ويكبرُ
بالحفظِ والجدلِ والمجالس، وعلمٌ لدنّيٌّ ربّانيٌّ،
ينزلُ
كما ينزلُ الوحيُ نورًا على القلوبِ المصطفاة.
لقد
فهمَ الناسُ يومها أنَّ الإمامةَ ليستْ شيخوخةَ جسد،
ولا
طولَ لحية، ولا كثرةَ كتب.
الإمامةُ
اصطفاء.
كما
تكلَّمَ عيسى في المهدِ وهو طفل.
تكلَّمَ
محمدُ الجواد بعلمِ الأنبياءِ وهو ابنُ ثمانِ سنوات.
فالسماءُ
لا تُقاسُ بالأعمار.
وكانَ
المأمونُ ينظرُ إلى الإمامِ بصمتٍ ثقيل…
يعرفُ
أنَّهُ أمامَ قوّةٍ لا يستطيعُ سجنَها، ولا قتلَها، ولا إسكاتَها.
إنَّها
قوّةُ الحقِّ حينَ يمشي على قدمين.
ومرّتِ
السنوات…
وسيُسقى
الجوادُ السمَّ كما سُقيَ جدُّهُ الحسن، وسيبقى جسدُهُ الطاهرُ فوقَ سطحِ الدارِ
ثلاثةَ أيامٍ تحتَ الشمس كما
جدُّهُ الحسين ، كما تُتركُ الأوطانُ العظيمةُ أحيانًا وحيدةً في مواجهةِ القتلة.
لكنَّ
الشمسَ التي أحرقتْ جسدَهُ…
لم
تستطعْ أن تُطفئَ نورَه.
لأنَّ
أبناءَ عليٍّ لا يموتونَ حينَ يُقتلون، بل يبدأونَ من
هناك.
تعليقات
إرسال تعليق