الخميس، 3 يوليو 2025

 زينب الجبل الصبر..

إذا أراد الكاتب أن يكتب عن زينب (عليها السلام)، فعليه أن يتوضّأ أولًا، ويتهيّأ لحيرة الكلمات... فبماذا يكتب؟ أيتحدّث عن صبرها الذي حيّر الصبر نفسه؟ أم عن جهادها الذي لقّن الأبطال دروسًا في الثبات؟ وأيُّ امرأةٍ في التاريخ، يُقتل إخوتُها وأولادُها أمام عينيها، ثم تقف كالجبل الشامخ، في وجه أراذل الأمّة، تخطب وتُعلّم الدنيا بأسرها؟! ثم تقول بكلّ ثقة وإيمان: سيُنصب بهذا الطفّ علم، كلّما اجتهد أئمّةُ الجور على محو أثره، فلا يزداد إلّا علوًّا وارتفاعًا."

من أين جاءها هذا العلم؟! من أين لها هذا اليقين؟ من أين لها أن تقرأ المستقبل بهذه البصيرة، وهذه الحكمة؟ أيتناول الكاتب مواقفها؟ أم دينها؟ أم أخلاقها وعفّتها؟ وهي التي لم تنطق إلّا بالقرآن، ولم تعبّر إلّا بلُغة نبوية، علوية، فاطمية، لا تعرف إلّا الطهر، ولا تقول إلّا الحقّ.. نعم، كلّ هذه المعاني تخجل أمام زينب، لأنّه ما من امرأة في هذا الكون اجتمعت فيها القيم بهذا الكمال، وبهذه الصورة العظيمة... بل لعلّ الصبر نفسه وُلد من قلب زينب، وكلّ القيم انبثقت من ذاتها، فهي لم تتعلّمها نظريًّا، بل خُلقت بها، وجاءت إلى الدنيا كتلة من الكمال الإنساني، هبطت من السماء في هيئة امرأة، لتُعلّم الرجال والنساء معاني الصبر والعفّة والشرف... لا بالقول، بل بالفعل، لا بالنظريات، بل بالمواقف التي خُلّدت في صفحات التاريخ والخلود.


الأربعاء، 2 يوليو 2025

 التناقض الداخلي..

العداء الخفي المتراكم تجاه الدين كمنظومة اجتماعية أكثر منه كقناعة فردية خاصة من شريحة "المثقفين" أو دعاة التحرر، لا يعادون الدين من حيث الجوهر العقائدي، بل يعادون ما يرونه "احتكارًا اجتماعيًا" للفضاء العام من قِبل المتدينين، خصوصًا في موسم عاشوراء وشهر رمضان، حيث يتحول الشارع والإعلام والطقس العام إلى حالة دينية صاخبة تُقيّد مساحة التعبير "المدني" أو "الثقافي" غير الديني، في نظرهم، والإشكال مع الرموز والسلوكيات أكثر من العقيدة ذاتها المنتقد لا يُهاجم الإمام الحسين (عليه السلام) أو جوهر عاشوراء، بل يسلّط الضوء على ما يعتبره مظاهر مبالغ فيها، أو تصرفات عشوائية من أفراد ينتمون للخط الديني، ثم يُعمّم ذلك ليطعن بالمجتمع المتدين ككل. وهنا مكمن الخلل والمنطق المقلوب؛ إذ يُحاكم المذهب بناءً على أفعال طائشة لأفراد، بينما يغض الطرف عن ملايين المتدينين الذين يتعاملون مع هذه الشعائر بروح حضارية وإنسانية راقية.
الثارات المذهبية العميقة تسكن اللاوعي الجمعي حتى لدى من يدّعي الحياد أو الثقافة وبعض ممن يُحسبون على التيار المدني أو الثقافي الشيعي أنفسهم يحملون في أعماقهم رفضًا دفينًا للهوية الدينية الطاغية، ربما لأسباب نفسية أو اجتماعية أو بسبب صدمات تربوية مع البيئة المتدينة، فتخرج هذه المشاعر سلبية ومشحونة مع كل موسم ديني، وكأنها استعادة لحلقات صراع تاريخي لم يُحسم بعد , في بيئة مثل العراق أو المجتمعات الشيعية عامة، لا يمكن فصل الدين عن الهوية الجمعية، لذلك، الصراع هنا ليس صراع فكر فقط، بل صراع وجود وهُوية، فيُصبح موسم عاشوراء أو شهر رمضان اختبارًا لهوية الناس، ومن يُخالف هذا الجو العام يشعر بالاغتراب، فينفجر بالنقد، وربما بالسخرية، ليُثبت استقلاليته أو تمرّده , وما يحدث ليس مجرد انتقادات سطحية، بل انعكاس لصراع هُويات متراكب؛ بين الدين كمقدس اجتماعي، والمدنية كمشروع فردي، بين التاريخ العاطفي للمذهب الشيعي، والرغبة في الانعتاق من قيود التقليد الجمعي، بين من يرى الحسين رمزًا إنسانيًا خالدًا، ومن يراه جزءًا من صراع تاريخي تجاوزه الزمن , وهنا أعداء المذهب الواضحين مذهبياً، فخصومتهم مفهومة ومباشرة، لكن الإشكال الأخطر هو هذا التناقض الداخلي عند أبناء المذهب أنفسهم الذين يقفون في منتصف الطريق، لا هم يُجاهرون بعداوتهم، ولا يُنصفون الحقائق… بل يُمارسون جلد الذات بطريقة مشوهة في كل موسم ديني


الثلاثاء، 24 يونيو 2025

 

الدين والمذهب لا يحدّه زمان ولا مكان..

التاريخ يُعيد نفسه، والمواقف تتكرّر، وما حدث في كربلاء لم يكن مجرد قصة من الماضي، بل درس خالد يتجدّد في كل زمان ومكان. يومها، وقف القلّة مع الإمام الحسين (عليه السلام) في معركة الحق ضد الباطل، بينما تخلّف الكثيرون، بعضهم من الصحابة، وبعضهم التزم الصمت، وآخرون كانوا ينتظرون سقوط الحسين ليبرّروا خذلانهم وضعفهم , اليوم، المعركة أكبر وأوضح، والعدو لم يعد بحاجة إلى تزييف الحقائق أو تبرير عدوانه، فالمواقف مكشوفة، والأقنعة ساقطة، وأدوات العدوان ظاهرة للعيان. وقد رسم القرآن الكريم الصورة الحقيقية حين قال:﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ لم يُفرّق بين مذهب وآخر، ولم يتحدث عن "شيعة" أو "روافض" كما يروج البعض، بل أشار إلى الإيمان كمنظومة جامعة، وكل من يتمسك بهذا الإيمان، أيّاً كان انتماؤه المذهبي، سيكون هدفاً لمشروع الاستكبار والعدوان.

والمؤلم اليوم أن بعض أبناء الأمة، ومن مختلف المدارس الإسلامية، بل حتى من أبناء المذهب أنفسهم ممن باعوا ضمائرهم، وسمحوا للجبن والانحراف بالسيطرة عليهم، باتوا أدوات رخيصة في يد المشروع الصهيوني، يُشاركون عملياً في استهداف أبناء جلدتهم ودينهم، بينما تتسابق أنظمة عربية نحو التطبيع والمهادنة مع إسرائيل، في تناقض صارخ مع تعاليم الدين، وأحكام القرآن، وقيم الإنسانية والأخلاق , القضية ليست مع اليهود كدين أو كأفراد، فاليهود يعيشون في دول عديدة، ومنها إيران، حيث يتمتعون بحقوقهم الكاملة، ولم يُمسّهم أحد بسوء. المشكلة الحقيقية مع المشروع الصهيوني الاستعماري، الذي يعادي الإسلام والإنسانية، ويؤمن بعقيدة التفوّق والهيمنة، ويسعى لإعادة رسم خارطة المنطقة وفقاً لمخططاته الدينية والسياسية.

الدين والمذهب، تماماً كالعائلة الواحدة، قد يسكن الأبناء في بيوت متفرّقة، لكن يجمعهم الدم، والولاء، والمصير المشترك. أما من يتنكّر لهذا الرابط، ويفرح باستهداف أبناء مذهبه وشعبه تحت شعارات وطنية زائفة، فهو جزء من مشروع الانحراف، مهما ادّعى من شعارات مضلّلة , كل الأحداث، من الحروب إلى المؤامرات والفتن الداخلية، كشفت بوضوح الدور الصهيوني المباشر، الذي لم يعد يقتصر على العدوان الخارجي، بل تسلّل إلى الداخل، يُحرّك أذرعه، ويبثّ الفتنة، ويزرع بذور الانقسام، ويشعل الصراعات، حتى تجد من يرفع شعار: "نسقط هذا النظام"، و"نحارب ذاك البلد"، في حالة هياج أشبه بالثور الذي تزعجه الألوان، دون وعي أو بصيرة , اليوم لم يعد العدو يُخفي نواياه، فنتنياهو يعلنها صراحة بأن "محور الشر" هو إيران، في إشارة واضحة لمحور المقاومة بأكمله، مستهدفاً الإسلام الأصيل، وكل من يرفع راية الحق، وليس إيران وحدها. وفي الوقت نفسه، يحاول تقديم إسرائيل للعالم كحمامة سلام، بينما دماء الفلسطينيين، واللبنانيين، والسوريين، وبقية شعوب الأمة، شاهدة على سجلّ القتل، والاغتيالات، والدمار المستمر منذ عقود _ معركتنا ليست مع مذهب أو قومية، بل مع مشروع صهيوني توسّعي، لا يُخفي أطماعه، ولا يتوقف عن زرع الفتن، وتمزيق الصفوف. وما لم ندرك هذه الحقيقة، وما لم نتوحّد على أساس العقيدة والموقف، سيبقى العدو يراهن على ثغراتنا، ويستغل خلافاتنا، لضرب وحدتنا، ووجودنا، ومستقبلنا.

عادل الزركاني


 "لا يطيق أهل الدناءة أن يروا الطيبين في مواضعهم الرفيعة، لذا يحاولون تلويث صورتهم، رغم علمهم العميق أنهم لا يبلغون طهرهم ولا يدركون مقامهم."


 

"كل إنسان مسؤول عن نفسه، عن أفعاله، عن كلماته، عن نواياه، أما ما يفسّره الآخرون ويظنّونه، فهذه مشكلتهم لا مشكلتك. لا أحد يستطيع أن يتحكّم في طريقة فهم الناس أو تأويلهم، لكن كلّ ما عليك هو أن تكون صادقًا مع نفسك وواضحًا في تصرفاتك."


الثلاثاء، 10 يونيو 2025

 

"وكأن المقبرة نافذةٌ تفتح للحظة على الحقيقة، ثم تُغلق سريعًا عندما يعود الإنسان إلى إيقاع حياته المعتاد، وكأن شيئًا لم يكن! رغم أن الأرض احتضنت أعزّ الناس، ورغم أن العيون اغرورقت بالدموع، إلا أن الزمن يمضي دون أن ينتظر أحدًا، والإنسان بطبيعته يتشبث بالحياة، حتى وهو يدرك نهايتها.

في ذلك حكمةٌ خفية؛ فلو ظل أثر الفقد حاضرًا بنفس قوته، لما استطاع المرء أن يكمل طريقه، ولعل النسيان نعمةٌ تحفظ للإنسان قدرته على الاستمرار. نعم، حالات النسيان تختلف، فهناك من لا يفارقهم الحزن، ويبقى يرافقهم العمر كله، وآخرون تتلاشى آثار الفقد لديهم سريعًا.

الموت درسٌ لا يمكن للصالحين تجاهله، لكنه لمن استسلم للغفلة يبدو وكأنه حدثٌ بعيدٌ لا يعنيه، حتى يحين دوره..."



 

"نحن نقرأ ونكتب بحثًا عن المعنى في الكلمات، وعن الفكر في العقول. المعرفة ليست مجرد تراكم معلومات متناثرة، بل تأملٌ في الرؤى التي تكوّن منها تاريخ الإنسان، وفلسفة وجوده، وما يتركه من أثر في الزمن.

نتنقل بين المعارف كما يتنقل المسافر بين المدن، نكتشف الأسئلة قبل أن نبلغ الإجابات، ونسعى لفهم كيف تلتقي الحكمة بالخيال، وكيف يصوغ الفكر مسارات الحياة.. نعم، الحقيقة ليست دائمًا واضحة، وتحتاج إلى من يتأملها دون تحيّز. وعلينا أن نُدرك قوة الكلمة؛ فهي قادرة على بناء عالم أو على هدمه. أما الماضي، فلا يموت، لكنه بالحاضر والمستقبل يُعاد بناء الإنسان."


اعتزاز حسن... حين انتصر الإنسان على الموت دعنا من ضجيج الخلافات الفقهية، ومن معارك الكلمات التي استهلكت القرون؛ هذا يسب، وذاك يرد، وهذا يؤ...