الأربعاء، 25 مارس 2026

 

فلسفة ولادة الإمام المهدي (عج): بين قصور الإدراك وإشكال الإثبات.

    ليست كلّ الحقائق ممّا يُحاط به العقل، ولا كلّ ما يعجز العقل عن الإحاطة به يكون باطلًا. فالعقل على جلال قدره محدودٌ بأفق التجربة، ومحكومٌ بقوانين الإدراك التي تشكّلت في عالم الشهادة, فإذا عُرضت عليه حقائق تتجاوز هذا الإطار، وقف عند حدوده؛ لا إنكارًا بالضرورة، بل عجزًا عن الإحاطة , ومن هنا، فإنّ فلسفة ولادة الإمام المهدي (عج) تُطرح بوصفها نموذجًا لهذا التوتّر بين المحدود واللامحدود؛ بين ما يُدرك وما يُؤمن به. فهي عند من يناقشها لا تخضع بسهولةٍ لمقاييس البرهنة العقلية المألوفة، كما أنّها في نظر البعض لم تبلغ حدّ الإثبات النقلي الذي يُلزم المخالف , لكن الإشكال في حقيقته ليس في الواقعة بقدر ما هو في أدوات النظر إليها, فهناك من يستمر في المطالبة بالدليل النقلي التاريخي، دون أن يلتفت إلى أنّ نظرية الإمام تقوم في أحد أبعادها على خفاء الولادة، وأنّ المعرفة بها لم تكن متاحة إلا لخواصّ الخواص. ومع ذلك، فإنّ التاريخ نفسه يشهد بوقائع أوضح من هذه القضية، ومع ذلك لم يقع عليها اتفاق , فليس هناك أوضح من شهادة الإمام الحسين (ع)، مع معرفة القاتل، ومع ذلك توجد آلاف المصادر التي تقول: إنّ شيعته قتلوه، ويتبرّأ يزيد وبنو أمية من دمه. وهذه الدعوى وإن كانت لا تستقيم عقلًا ومنطقًا إلّا أنّها قُبلت عند جمهورٍ واسع، وكأنّها من المسلّمات. وهذه قمة القصور في الإدراك , وإذا كان هذا حال قضيةٍ تاريخية ظاهرة، فكيف بقضيةٍ يغلب عليها الطابع الغيبي كقضية الإمام المهدي (عج)؟ , إنّ العقل الذي يُطالب بإخضاع كلّ غيبٍ لمقاييس الحسّ، قد يطلب ما ليس من شأنه. كما أنّ النقل الذي يُراد له أن يكون قاطعًا عند الجميع، قد يظلّ محلّ نزاعٍ بحسب المباني والأصول و وعليه، فإنّ هذه المسألة لا تُختزل في ثنائية: يثبتها العقل أو ينفيها، يثبتها النقل أو يسقطها؛ بل تنفتح على أفقٍ أوسع يُعيد النظر في حدود العقل، وطبيعة النقل، وإمكان التلاقي بينهما في ميدان الغيب , فليست كلّ حقيقةٍ تُدرك لتُؤمن، بل قد يُؤمن بها لأنها تتجاوز الإدراك، دون أن تناقضه , وهناك من يطرح أسئلة بخصوص الإمام المهدي (عج)، منها ما هو جاد، ومنها ما هو ساذج، ومنها ما يُطرح بدعوى التشيّع وهو في الحقيقة بعيدٌ عنه. وهذه الأسئلة في جوهرها ليست جديدة، بل طُرحت سابقًا من قِبل غير الإمامية، ثم أُعيد إنتاجها بصيغ مختلفة , وجميعها تشترك في مضمونٍ واحد: رفض الإمامة وولادة الإمام المهدي (عج).

   وهذه الإشكالية في حقيقتها منهجية قبل أن تكون خلافًا في النتائج؛ إذ تنطلق من افتراضٍ مفاده أنّ ما لا يُدرك بتمامه عقلًا فهو غير ثابت، أو أنّ ما لا يخضع للتجربة الحسّية المباشرة يدخل في عالم الأساطير , وهذا خلطٌ واضح بين حدود الإدراك وحدود الوجود، وبين عجز العقل عن الإحاطة وعجزه عن الإثبات , فهي تبني على معيارٍ حسّيٍّ تاريخيٍّ صارم، ثم تُسقطه على بنيةٍ عقدية تقوم على الوحي والامتداد الغيبي، وهنا يقع الخلط بين التحقيق التاريخي والبناء الميتافيزيقي للعقيدة.

السؤال الأول: ولادة الإمام المهدي (عج) لا يمكن إثباتها وفق المنهج السندي.

  الجواب : هذا الكلام ضمن حدود هذا المنهج ليس بعيدًا عن التحقيق , فهل يعني ذلك سقوط أصل الولادة؟ هنا يقع الخلط المنهجي , إنّ حصر البحث في المنهج السندي وحده، ثم مطالبة هذا المنهج بإنتاج يقينٍ في كلّ القضايا، هو تحميلٌ للأداة ما لا تحتمل. فالمنهج السندي صُمّم لتمييز الصحيح من الضعيف في إطار النقل، لا لإنتاج منظومةٍ عقدية مكتملة بمفرده , ومن هنا ينتقل البحث إلى مستوى آخر:

   أولًا: الدليل العقلي , حديث: «الخلفاء من بعدي اثنا عشر» وهو ممّا اتّفق المسلمون على أصله يفرض تسلسلًا تاريخيًا متصلًا و فإذا ثبت أنّ الأئمة من ولد الحسين (ع)، وانتهى التسلسل إلى الإمام الحسن العسكري (ع) بوصفه الحادي عشر، فإنّ مقتضى هذا التسلسل أن يكون له خلفٌ مباشر، وإلّا انقطعت السلسلة، وبطل مدلول الحديث , فالعقل هنا لا يُثبت تفاصيل الولادة، لكنّه يُثبت ضرورة الامتداد، ويفتح باب الإمكان بل اللزوم لوجود الخلف.

    ثانيًا: المنهج المضموني (جمع القرائن) بعد ثبوت أصل الإمكان واللزوم عقلًا، يأتي دور الروايات لا بوصفها أدلّة منفردة بل بوصفها شبكة قرائن , فعند جمع مئات بل آلاف النصوص الواردة في الإمام المهدي (عج)، بمضامينها المختلفة (النص عليه، غيبته، صفاته، رؤيته)، يتكوّن تراكمٌ دلالي لا يمكن اختزاله في حسابٍ سنديٍّ ضيّق , وهنا يتحوّل الإثبات من “صحّة رواية مفردة” إلى “حجّية المجموع”، وهو منهجٌ معروف في القضايا التاريخية والعقدية , ويُضاف إلى ذلك: كلمات النسّابة , الإشارات التاريخية , التوافق العام بين المدارس الإسلامية على أصل الشخصية المهدوية.

   السؤال الثاني: لماذا لم تُعرف ولادة الإمام المهدي (عج) على نحوٍ واسع كما عُرفت سائر الولادات؟

   الجواب : يُطرح هذا السؤال بوصفه إشكالًا تاريخيًا: لو كانت ولادة الإمام المهدي (عج) حقيقةً واقعة، فلماذا لم تنتشر على نطاقٍ واسع؟ ولماذا لم تُنقل بطريقةٍ تُلزم الجميع؟ , وهذا السؤال في ظاهره تاريخي، لكنه في جوهره منهجي , ذلك أنّه ينطلق من افتراضٍ ضمني، وهو أنّ كلّ واقعةٍ حقيقية لا بدّ أن تكون ظاهرةً مشهورة، منقولةً نقلًا واسعًا لا يختلف عليه الناس. وهذا الافتراض غير دقيق؛ لا في التاريخ، ولا في الواقع , فكم من وقائع تاريخية ثابتة لم تحظَ بإجماعٍ، بل بقيت محلّ نزاعٍ واختلاف، رغم وضوحها وقربها من التداول العام و بل إنّ طبيعة الظروف التي أحاطت بالإمام الحسن العسكري (ع) تفرض قراءةً مختلفة تمامًا , فالدولة العباسية كانت تترقّب وفقًا لما وصلها من الأخبار ولادة شخصٍ يُهدّد سلطانها، وهو الإمام المهدي (عج). ولهذا، فُرضت رقابة شديدة على بيت الإمام، حتى في أدقّ التفاصيل , وفي مثل هذه الظروف، لا تكون العلنية خيارًا ممكنًا، بل يتحوّل الإخفاء إلى ضرورة , وعليه، فإنّ خفاء الولادة لا يُعدّ قرينة نفي، بل قد يكون في سياقه قرينة تأكيد، لأنّه ينسجم مع طبيعة التهديد القائم آنذاك , ثم إنّ السؤال يغفل عن نقطةٍ مهمّة: وهي أنّنا لا نتحدّث عن حادثةٍ تاريخيةٍ عادية، بل عن جزءٍ من مشروعٍ غيبيٍّ ممتد، يقوم في أحد أركانه على الغيبة , فكيف يُطلب من واقعةٍ تمهّد للغيبة أن تكون علنيةً بالكامل؟ , إنّ هذا يُفضي إلى تناقضٍ داخلي؛ لأنّ العلنية التامّة تنقض فلسفة الغيبة من أساسها , ومن جهةٍ أخرى، فإنّ المعرفة بولادة الإمام (عج) لم تكن معدومة، بل كانت موجودة، لكن في دائرةٍ خاصّة: الخواص من أصحاب الإمام الحسن العسكري (ع) , بعض أفراد العائلة , من اطّلع على القرائن المباشرة أو النقل القريب , وهذا النمط من الانتشار المحدود ليس أمرًا غريبًا في التاريخ، بل هو مألوف في القضايا الحسّاسة سياسيًا وأمنيًا , كما أنّ الإشكال نفسه يمكن قلبه: فهل عدم العلم بالشيء يساوي عدم وجوده؟

إنّ الجواب عقلًا ومنهجًا هو: لا, لأنّ عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود، خصوصًا إذا وُجدت قرائن تشير إلى أصل الواقعة، وإن لم تبلغ حدّ الانتشار العام , إنّ المطالبة بانتشارٍ واسع لولادة الإمام المهدي (عج)، وفق النموذج التاريخي التقليدي، تتجاهل خصوصية الظرف، وطبيعة المشروع، ومنهج التعامل مع القضايا الغيبية , فخفاء الولادة لا يُعدّ خللًا في الإثبات، بل جزءًا من بنية القضية نفسها , وبهذا، يتّضح أنّ الإشكال ليس في الواقعة، بل في إسقاط نموذجٍ تاريخيٍّ عام على قضيةٍ ذات طبيعةٍ استثنائية.

السؤال الثالث: إذا كانت فلسفة الإمام لا يدركها العقل فكيف تثبتها؟

    الجواب : هنا مغالطة الحصر في الإدراك العقلي (الخفاء لا يعني العدم) الإشكال الفلسفي: يخلط المعترض بين "المستحيل عقلاً" (ما يرفضه العقل لذاته كاجتماع النقيضين) وبين "المستغرب عادة" أو "غير المحاط به علماً" , التحليل العميق: العقل في الرؤية الإسلامية الفلسفية هو "حجة باطنة"، ووظيفته هي "التصديق بوجود الصانع وضرورة الرسالة". بمجرد أن يثبت العقل ضرورة وجود "خالق حكيم"، فإنه يحكم تلقائياً بأن "الحكيم لا يترك خلقه سدى".

سؤال جوهري: هل عدم إدراك "آلية" عمل الإمام الغائب يقدح في "مشروعيته

   الإجابة: إطلاقاً. نحن نستخدم "الكهرباء" ونؤمن بوجود "الجاذبية" دون إدراك ماهيتهما الجوهرية، بل ندركهما من خلال آثارهما. الإمام في الفلسفة الشيعية هو "قطب الوجود" و"واسطة الفيض". عدم إدراكنا لكيفية تدبيره لا ينفي وجوده، كما أن عدم رؤية سكان أعماق المحيط للشمس لا ينفي أنها مصدر الطاقة الأول لكوكبهم , العقل لا يدرك جميع التفاصيل، لكنه يدرك الضرورة. نحن لا ندرك حقيقة الروح ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾، ولا كيفية القضاء والقدر، ومع ذلك نثبتها بدليلٍ نقلي وعقلي. العقل هنا يثبت أصل الحاجة إلى حجّةٍ معصومة تحفظ الشريعة من التحريف، كما يثبت ضرورة المرجع الأعلى في كل منظومة تشريعية. عدم إدراك الكيفية لا يعني نفي الأصل، وإلا لكان لزامًا إنكار كثير من الغيبيات التي اتفق عليها المسلمون , قولهم: إذا كانت فلسفة الإمام لا يدركها العقل فكيف تثبتها؟هذا السؤال يتضمن مغالطة خفية، وهي مساواة “عدم الإحاطة” بـ “عدم الإثبات”.العقل يدرك على ثلاث مراتب:

1- إدراك الاستحالة. 2- إدراك الإمكان. 3- إدراك الضرورة. .

   الإمامة لا تُطرح كحقيقة مستحيلة عقلاً، بل كضرورةٍ تنظيمية لحفظ الدين. فكما أن العقل يحكم بضرورة وجود مرجعية عليا في أي نظام قانوني حتى لا يضيع النص بين التأويلات، كذلك يحكم بضرورة وجود مرجعية معصومة في نظامٍ تشريعي يُراد له البقاء إلى قيام الساعة , العقل لا يدرك “كيفية” العصمة، لكنه يدرك ضرورتها لحفظ الحجة , كما لا يدرك “كيفية” علم الله، لكنه يثبت كونه عالمًا , ولا يدرك “كيفية” الروح، لكنه لا ينفي وجودها , إذن التفريق واجب بين: ما يستحيل عقلاً (كاجتماع النقيضين) وما لا يحيط به العقل تفصيلاً , والإمامة من القسم الثاني، لا الأول

السؤال الرابع: ما الدليل على أن الله اصطفى أناسًا بعد الرسول (ص)؟

    الجواب : سنّة الاصطفاء وقانون "الاستمرار الهَدَوي" , الإشكال الفلسفي: يرى البعض أن النبوة كانت "طفرة تاريخية" انتهت بوفاة النبي، وأن ما بعدها هو محض "اجتهاد بشري" يصيب ويخطئ , التحليل العميق: القرآن يطرح الاصطفاء كـ "قانون مطرد" (آل إبراهيم، آل عمران، آل لوط). فكرة "الآل" في القرآن ليست بيولوجية مجردة، بل هي اصطفاء لعناصر تحمل "المؤهلات الروحية" لحمل الأمانة , وسؤال جوهري: لماذا يفترض المعترض أن الله الذي اعتنى بتفاصيل تشريع "المواريث والوضوء" يترك "قيادة الأمة" للفوضى أو للصدفة التاريخية؟ , الإجابة: هذا يتنافى مع صفة "اللطف الإلهي". "قاعدة اللطف" عند المتكلمين تقضي بأن الله يفعل ما يقرب العباد إلى الطاعة ويبعدهم عن المعصية. وإرسال المعصوم (نبياً أو إماماً) هو أعلى مصاديق اللطف. لذا، الاصطفاء بعد النبي هو "ضرورة كمالية" للدين، فالدين الذي لا قيادة معصومة له هو مشروع ناقص الحماية, الاصطفاء سنّة قرآنية مستمرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾. فمبدأ الاصطفاء ليس بدعة شيعية، بل قاعدة إلهية في الهداية. وإذا ثبت أن النبي (ص) نصّ على خلافة علي في حديث الغدير المتواتر معنىً، وثبت حديث الثقلين: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي» – وهو مروي في مصادر سنية معتبرة – فإن دلالة الاستمرار في الهداية عبر العترة تصبح معقولة ومنسجمة مع سنة الاصطفاء , والاصطفاء ليس حدثًا عرضيًا، بل نمطًا إلهيًا في إدارة الهداية , فالسؤال المنهجي: هل انتهت سنّة الاصطفاء بوفاة النبي (ص) أم استمرت بصورةٍ أخرى تحفظ الدين؟ إذا ثبت: حديث الغدير في تنصيب علي بن أبي طالب , وحديث الثقلين المتواتر معنىً في الصحاح والمسانيد , فإن مفهوم “الاستمرار الهَدَوي” عبر العترة يصبح منسجمًا مع سنّة الاصطفاء، لا خروجًا عنها , المدرسة الرافضة للإمامة تُسلّم بأن الأمة احتاجت إلى اجتهادات بشرية لحفظ الدين، لكنها ترفض أن يكون الاصطفاء الإلهي مستمرًا. وهنا نسأل: أيهما أليق بحكمة الله؟ أن يترك الدين عرضةً للاختلافات السياسية والمذهبية؟ أم يجعل له مرجعًا منصوصًا يقطع مادة النزاع؟

السؤال الخامس: ما الذي يختص به المعصوم؟

    الجواب : الإمامة كضرورة "إبستمولوجية" (معرفية) لا سياسية فقط , الإشكال الفلسفي: حصر الإمامة في "الحكم والسلطة"، فإذا غاب الإمام سقطت فائدته , التحليل العميق: الإمامة في الجوهر هي "مرجعية معرفية". نحن نحتاج للمعصوم ليحدد لنا "المراد الواقعي" من النص الظني. بدون المعصوم، يتحول الدين إلى "تعدد قراءات" لا نهائي، حيث يضرب كلٌّ برأيه، وتضيع الحقيقة بين التأويلات البشرية , وسؤال جوهري: هل يمكن لعلماء المذاهب (غير المعصومين) أن يعوضوا غياب المعصوم؟ , الإجابة: علمياً، لا. لأن "تراكم الظنون لا يولّد يقيناً". الفقيه المجتهد يقول "هذا ما أظنه حكم الله"، بينما الإمام يقول "هذا هو حكم الله". الفرق بينهما هو الفرق بين "الاحتمال" و"القطع". الغيبة هنا هي "اختبار للمكلفين" وليست "تعطيلاً للوظيفة"، فالإمام يوجه المسار من وراء الحجاب كما توجه الشمس الأرض في اليوم الغائم , والمعصوم وفق الرؤية الإمامية ليس مشرّعًا من عنده، بل حافظٌ للتشريع، مبينٌ للمراد الإلهي، معصومٌ من الخطأ في التبليغ والبيان. اختصاصه ليس امتيازًا اجتماعيًا بل وظيفة معرفية: حفظ النص من التحريف، وبيان المتشابه، وامتلاك العلم اللدني المتصل بمصدر الوحي. هذا لا يلغي دور العلماء، بل يجعلهم امتدادًا بيانيًا لا تأسيسيًا , والمعصوم عند الإمامية ليس مشرّعًا مستقلًا، بل:  

1- حافظٌ للنص 2- مبينٌ للمراد الإلهي 3- معصوم في مقام البيان والتطبيق .

العصمة ليست قداسة شخصية، بل ضمانة معرفية , لو لم نقل بالعصمة، لزم احتمال الخطأ في تبليغ الشريعة بعد النبي، ومع احتمال الخطأ يسقط اليقين، ومع سقوط اليقين يسقط الاحتجاج , إذن العصمة ليست ترفًا عقائديًا، بل ضرورة إبستمولوجية لحفظ حجية الدين. 

السؤال السادس: نور النبي والروايات قبل ولادته .

    الجواب : الحقيقة المحمدية والتقدم الرتبي الإشكال الفلسفي: استنكار فكرة وجود نور النبي أو الأئمة قبل خلق الأجساد ووصفها بـ "الغلو".التحليل العميق: في الفلسفة الوجودية (كمدرسة صدر المتألهين)، هناك فرق بين "الوجود الزماني" و"الوجود الدهري". الحقيقة المحمدية هي "الصادر الأول" أو "العقل الأول". هي القالب الغائي الذي من أجله خُلق الكون , سؤال جوهري: هل يتقيد علم الله بالزمان؟ الإجابة: لا. إذا كان الله يعلم بمحمد (ص) قبل خلقه، فإن "صورة محمد" في العلم الإلهي موجودة أزلاً. الروايات تتحدث عن هذا "السبق الرتبي". الإنسان العادي يرى البداية من "النطفة"، والفيلسوف الإلهي يرى البداية من "الإرادة الإلهية الأولى". فكرة (النور المحمدي) وردت في روايات متعددة عند الفريقين، منها حديث «كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين» المروي في كتب معتبرة. الفهم الفلسفي لهذه النصوص لا يقتضي التعامل الحرفي المادي، بل فهمها في إطار التقدّم الرتبي في العلم الإلهي، لا التقدّم الزماني الجسدي. الروايات الواردة في “النور المحمدي” – كما تقدم حديث «كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين» – لا تُفهم ماديًا، بل وجوديًا , الفهم الفلسفي يرى أن: التقدم هنا رتبي في العلم الإلهي , لا تقدمًا زمانيًا جسديًا , أي أن الحقيقة المحمدية متقدمة في مقام العلم الإلهي، لا في الوجود الجسدي , وهذا لا يصادم العقل، بل ينسجم مع نظرية التقدم الرتبي في الفلسفة الإسلامية.

السؤال السابع: هل أوصى الحسين إلى من بعده؟ .

الجواب : تتناول هذه النقطة جوهر النظرية السياسية والدينية لدى المدرسة الإمامية، والتي تختلف جذرياً عن فكرة الشورى أو الاختيار الشعبي. فالمسألة هنا ليست مجرد توريث، بل هي "تعيين إلهي" يُبلغ عنه الإمام السابق لمن يليه , إليك تحليل لهذه الركائز كما وردت في التراث الإمامي:1. الوصية في كربلاء (النص الخاص) وفقاً للمرويات التاريخية والحديثية عند الشيعة، فإن الحسين بن علي لم يغادر الدنيا دون تحديد المرجعية من بعده. يُذكر أن الوصية سُلِّمت لعلي بن الحسين (زين العابدين) في لحظات حرجة، وأحياناً تذكر الروايات أنه أودع كتبه ووصيته عند ابنته فاطمة بنت الحسين لتسلمها لأخيها علي عندما يبرأ من علته، وذلك كإجراء احترازي لحماية الإمام القادم في ظل الظروف العسكرية الصعبة آنذاك.

2. سلسلة الوصايا (النص المتواتر) , يعتقد الإمامية أن الإمامة "عهد من الله"، وهي لا تخرج من أخوين بعد الحسن والحسين، بل تستمر في الأعقاب , الوظيفة: الوصية ليست مجرد كلام شفهي، بل تشمل تسليم "مواريث الأنبياء" (السلاح، الكتب، والعلم) , الاستمرارية: كل إمام ينص على مَن بعده بوضوح أمام ثقات أصحابه لضمان عدم تشتت الأمة.

3. الإمامة بين النص والشورى , المبدأ الذي ذكرتَه هو الفارق الجوهري في الفكر الإمامي: النص (تم تعيينه): الإمام يُعرف بالنص عليه من الرسول أو الإمام السابق. الغرض هو رفع الالتباس؛ لأن الإمامة مقام يتطلب العصمة والعلم اللدني، وهي صفات لا يدركها الناس بالشورى. المنطق: بما أن الإمامة امتداد للنبوة في حفظ الدين، فإن تركها للشورى قد يؤدي للنزاع (كما حدث في السقيفة وغيرها من المنعطفات التاريخية حسب الرؤية الإمامية). ، المرويات الإمامية تثبت وصية الحسين بن علي إلى ابنه علي بن الحسين زين العابدين، كما تواترت عند الإمامية سلسلة الوصايا من إمام إلى إمام. ومن حيث المبدأ، فإن نظام الإمامة قائم على النص لا على الشورى، فلابد من تعيينٍ سابق يرفع الالتباس ويمنع النزاع.

السؤال الثامن: لماذا الأئمة اثنا عشر؟ .

   الجواب:  إشكالية العدد (اثنا عشر) والتحقيق التاريخي , الإشكال الفلسفي: لماذا توقف العدد عند 12؟ وهل هذا تقسيم "مصطنع"؟ التحليل العميق: المدهش أن هذا العدد (12) هو "نقطة التقاء" نادرة في الصحاح. حديث "إثنا عشر خليفة" في البخاري ومسلم يقف حجر عثرة أمام منكري الإمامة. هم لا يجدون له مصداقاً تاريخياً متصلاً إلا في "سلسلة أئمة أهل البيت" , سؤال جوهري: لماذا يقبل المعترض بـ "عدد أصحاب الكهف" أو "نقباء بني إسرائيل" كحقائق غيبية، ويرفض "الأئمة الاثني عشر"؟ الإجابة: السبب هو "الإسقاط السياسي". الاعتراف بالعدد يعني الاعتراف بالهوية، والاعتراف بالهوية يترتب عليه استحقاق اتباع. لذا، يتم الهروب من "النص" إلى "التشكيك في المنهج" , والعدد ليس اجتهادًا شيعيًا متأخرًا، بل وردت به روايات في مصادر سنية معروفة، كحديث «يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش». السؤال ليس لماذا 12 تحديدًا، بل: هل ثبت النص أم لا؟ فإذا ثبت العدد بالنص، صار البحث في الحكمة بعد التسليم بالثبوت، لا قبله.

     إنّ الإشكال الحقيقي في خطاب النفي المعاصر أنه يتعامل مع التراث الروائي بمنهج انتقائي: يطالب بدليل “متفق عليه” في كل جزئية، مع أن كثيرًا من المسائل العقدية الكبرى في الإسلام لم تحظَ بإجماعٍ حرفي بين جميع المدارس. معيار (الاتفاق التام) لم يكن يومًا شرطًا في ثبوت العقائد، بل يكفي ثبوتها بدليل معتبر ضمن المنظومة المعرفية المتكاملة. (كيف نعرف الحق والحجة غائب عن الأنظار؟)الإشكالية المعرفية التي يطرحها البعض هي: "ما فائدة حجة لا يمكن الوصول إليه مباشرة لنسأله؟" , الجواب الفلسفي يكمن في التمييز بين "الحجة الوجودية" والحجة البيانية.

السؤال التاسع : من اين جاءت نظرية النيابة" كجسر معرفي؟

   الجواب : في علم المعرفة الشيعي، الغيبة لم تكن "انقطاعاً" بل كانت "تحولاً في نمط الاتصال". الفقيه الجامع للشرائط: لا يمثل "بديلًا" عن الإمام، بل هو "راوٍ ومستنبط" لمنظومة معرفية تركها الأئمة السابقون. الاستدلال: العقل يحكم بأن "تراكم النص المعصوم" (الأحاديث) عبر قرنين ونصف (من النبي إلى الإمام العسكري) شكّل مادة علمية كافية لإدارة شؤون الأمة في عصر الغيبة، بشرط وجود "آلية استنباط" منضبطة.

   السؤال العاشر: ما هو العلم اللدني والفيض الباطني؟

     جواب : العلم اللدني والفيض الباطني فلسفياً، الإمام هو "واسطة الفيض". وكما أن العقل الفعال في الفلسفة المشائية يفيض الصور على العقول المستعدة، فإن "الوجود النوري" للإمام يفيض الهداية الباطنية (التسديد) على الأمة , القاعدة: "إن الأرض لا تخلو من حجة، إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيناته". الغيبة هنا "حجب للعنوان" لا "حجب للمدد".

السؤال الحادي عشر : ما هي الأدلة الروائية المشتركة (الأرضية العلمية)؟

   جواب :  عندما نناقش "الطرف الآخر" بأسلوبه المنهجي، نجد أن قضية المهدي ليست "انفراداً شيعياً"، بل هي "ضرورة إسلامية" أثبتتها الصحاح.

1. حديث "من مات ولم يعرف إمام زمانه" هذا الحديث بمضامينه المتعددة (مات ميتة جاهلية) موجود في مصادر الفريقين (مسلم، مسند أحمد، الكافي) , المناقشة الفلسفية: "إمام الزمان" لفظ يقتضي الاستغراق والاتصال. أي في كل زمان (بما فيه زماننا هذا) يجب أن يكون هناك إمام.

السؤال الإلزامي: من هو إمام زماننا الآن الذي من لم يعرفه مات ميتة جاهلية؟ إذا قيل "الحاكم السياسي"، سقطت العصمة والعدالة , إذا قيل "القرآن"، فالقرآن نص صامت يحتاج لمبين (كما قال علي بن أبي طالب) , إذن، العقل والنقل يفرضان وجود "شخص" هو المصداق لهذا الحديث، وهو المهدي (عج).

2. حديث "الثقلين" (الاتصال الأبدي): «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي.. وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» , الدلالة العلمية: كلمة "لن يفترقا" تفيد التأبيد والاقتران الوجودي , الاستنتاج: ما دام القرآن موجوداً بيننا، فالعترة (متمثلة في فرد منها) موجودة معه بالضرورة. إن القول بعدم وجود إمام حي اليوم يعني "افتراق الثقلين"، وهو تكذيب صريح لقول النبي (ص).

3. حديث "الأئمة اثنا عشر" (البخاري ومسلم) «لا يزال هذا الدين عزيزاً/قائماً إلى اثني عشر خليفة، كلهم من قريش». المأزق المنهجي للطرف الآخر: حاولوا تطبيق هذا العدد على خلفاء بني أمية أو بني العباس، فاصطدموا بـ (العدد، العدالة، الاستمرار).

   التفسير المنطقي الوحيد: هذا العدد لا ينطبق بانتظام وعلمية إلا على أئمة أهل البيت الذين انتهوا بالمهدي، مما يجعل "الغيبة" هي الحل التفسيري الوحيد لاستمرار الدين "عزيزاً" بوجود الحجة وإن خفي.

السؤال الثاني عشر : تفكيك الأسئلة "الساذجة" و"المغرضة"

جواب : هناك من يسأل: "لماذا لا يظهر الآن ليملأها قسطاً وعدلاً؟" الإجابة الفلسفية: الظهور ليس "حدثاً سحرياً" بل هو "استحقاق بشري". القوانين الإلهية (السنن التاريخية) تقتضي وجود "قاعدة ناصرة" واكتمال "الوعي الجمعي". الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ظهور الإمام دون استعداد الأمة يعني تكرار سيناريو استشهاد الأئمة السابقين، وحكمة الله تقتضي "الادخار" للوقت المعلوم.

السؤال الثالث عشر: إشكالية "الخفاء" في الولادة (المنظور السوسيوسياسي)؟

   الجواب : يردد البعض: "كيف يولد إمام ولا يعلم به إلا آحاد؟". هذا السؤال يغفل الطبيعة الأمنية والسياسية لتلك الحقبة. قانون "السرية الاستراتيجية": السلطة العباسية كانت تترقب "المولود المخلص" بناءً على أحاديث نبوية متواترة (أنه من ولد الحسين، التاسع من ذرية الحسين). لذا، كان بيت الإمام العسكري (ع) محاطاً بالرقابة.

فلسفياً: كما خفيت ولادة موسى (ع) عن فرعون رغم ذبح الأخير لآلاف الأطفال، خفيت ولادة المهدي (عج) عن بني العباس. هذا ليس "أسطورة" بل "إعجازاً في إطار السنن".

السؤال الرابع  عشر :شهادة السيدة حكيمة (بنت الإمام الجواد): يتم التشكيك في شهادتها لأنها "امرأة واحدة"؟.

    الرد العلمي: في "قضايا النساء" والولادة، تُقبل شهادة القابلة والنساء المطلعين شرعاً وعرفاً. السيدة حكيمة لم تكن امرأة عادية، بل كانت تمثل "المرجع النسائي" لبيت الإمامة، وتواتر نقل شهادتها بين الشيعة الأوائل (الذين هم أهل الاختصاص بالبيت) أقوى من إنكار "الغرباء" الذين لم يكونوا في مسرح الأحداث.

السؤال الخامس عشر: هل هناك من يقول بولادة الامام من الخصوم"؟

   الجواب : من اعترافات "الخصوم" والمؤرخين (الدليل من فم المنكر)؟من المغالطات الكبرى القول بأن "أهل السنة" أو "المؤرخين" أجمعوا على عدم ولادته. الحقيقة العلمية تقول بخلاف ذلك: علماء الأنساب والمؤرخون: أثبت ولادة الإمام المهدي بن الحسن العسكري العشرات من كبار علماء الطرف الآخر، منهم: ابن خلكان في (وفيات الأعيان)، الذهبي في (سير أعلام النبلاء - وإن حاول تأويله)، ابن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة)، والشبراوي في (الإتحاف) , القاعدة الجوهرية: المثبِت مقدم على النافي. من أثبت الولادة (وهم من كبار المؤرخين) لديهم دليل الحدوث، ومن نفى لم يملك دليلاً على "العدم" سوى "عدم العلم"، وعدم العلم بالشيء لا يعني العلم بعدمه.

السؤال السادس عشر: ما هي الفائدة من ولادته وانتظاره ؟

    الجواب : فلسفة "الانتظار" كقوة محركة (الإبستمولوجيا العملية) بعد إثبات الولادة والوجود، نأتي للسؤال الجوهري: لماذا ننتظر؟ وهل الانتظار "تخدير" أم "تحفيز"؟ الانتظار الإيجابي , والانتظار السلبي: السلبي: هو الجلوس وترك الظلم يسود بحجة أن "الإمام سيصلح كل شيء". هذا فهم مشوه.

   الإيجابي: هو "التمهيد". فلسفياً، الظهور مشروط بوجود "القابلية". الإمام يحتاج إلى جيش، وعلم، ومنظومة قيمية جاهزة. الانتظار هو "عملية بناء واكتفاء ذاتي".

المهدي كرمز "للعقلانية الكونية":في الفلسفة، التاريخ ليس عبثاً. التاريخ يسير نحو "نقطة الكمال". المهدي هو الضمانة لانتصار العقل على الغريزة، والعدل على القوة. الإيمان به هو إيمان بجدوى الأخلاق وبأن "المستقبل للإنسان الكامل".

السؤال السابع عشر : اين يعيش وكيف وماذا يأكل وماذا يفعل ؟

    الجواب : مناقشة "الأسئلة الساذجة" (أين يعيش؟ ماذا يأكل؟)هذه الأسئلة تنطلق من معيار "الفيزياء المادية الضيقة" وتسقطها على "الوجود الغيبي".

الجواب العلمي: إذا آمن المسلم بأن الخضر (ع) حي (وهو رأي جمهور العلماء)، وأن عيسى (ع) حي في السماء، وأن إبليس (رأس الشر) حي ومنظَر إلى يوم الوقت المعلوم؛ فلماذا يستنكر "بيولوجياً" حياة الإمام المهدي؟

القاعدة: من يقبل "طول العمر" في جبهة الشر (إبليس) أو جبهة الأنبياء السابقين، يلزمه عقلاً وقبولاً بالوحي أن يقبله في "خاتم الأوصياء".

خلاصة النقاش: إن الإمامة ليست "زيادة" في الدين، بل هي "هيكل" الدين الذي يحميه من التآكل التاريخي. والمهدي (عج) ليس شخصاً ينتظره الشيعة فحسب، بل هو "وعد الله" الذي تتوق إليه الفطرة البشرية (فكرة المنقذ موجودة في كل الأديان، لكن الإسلام حددها وشخصها في المهدي). إن الصراع حول قضية الإمام المهدي ليس صراعاً على "شخص"، بل هو صراع بين "رؤيتين للعالم": رؤية مادية تاريخية: تحصر الوجود فيما تراه العين وتقيده بحدود العقل البشري القاصر , رؤية ملكوتية غيبية: تؤمن أن خلف هذا الستار المادي تدبيراً إلهياً مستمراً، وأن الأرض لا يمكن أن تُترك لقمة سائغة للباطل دون وجود "قطب للحق" يحفظ ميزان الوجود , إنكار الإمام المهدي (عج) بدعوى عالم الأساطير هو في حقيقته انتقال من نقاش الدليل إلى مصادرة الغيب. بينما المنهج المتوازن يفرّق بين ما يستحيل عقلاً، وما يستغرب عادةً، وما يثبت نقلاً صحيحًا. والغيبة – ضمن هذا الإطار – ليست أسطورة، بل حلٌّ إلهي لحفظ الحجة في ظرفٍ تاريخي مضطرب، كما غاب أنبياء عن أقوامهم من قبل.

والمسألة في جوهرها ليست سؤالًا عن إمكان الغيب، بل عن مدى استعدادنا لقبول أن العقل خادمٌ للوحي، لا حاكمٌ عليه.


الاثنين، 12 يناير 2026

 الحرب على الاخلاق والقيم 

لم تعد كثير من الثورات والاحتجاجات في عالمنا المعاصر تُقرأ بوصفها حركات مطلبية خالصة، بل تحوّلت في حالات عديدة إلى ساحات صراع ثقافي وهويّاتي، ولا سيما في البلدان التي تمتلك ارتباطًا دينيًا عميقًا أو عقيدة خاصة متجذّرة في وعي المجتمع، وخصوصًا مجتمعات أتباع أهل البيت عليهم السلام. فالسؤال الجوهري لم يعد: لماذا يخرج الناس؟ بل: لماذا تُوجَّه بعض الاحتجاجات لتصطدم مباشرة بالدين والأخلاق والرموز المقدسة، ولماذا تحظى بدعم سياسي وإعلامي ومالي من القوى الكبرى؟

هذه البلدان، على اختلاف ظروفها الاقتصادية والسياسية، تشترك في كونها لم تفقد هويتها بالكامل بعد، ولا تزال تمتلك منظومة قيم ترى في الدين مرجعية أخلاقية وتنظيمية للحياة. وهذا ما يجعلها، في نظر المنظومة الغربية المهيمنة، مجتمعات “غير منسجمة” مع النموذج العالمي السائد، الذي يقوم على الفردانية المطلقة، والاستهلاك، وتحرير الإنسان من أي ضابط قيمي أعلى. من هنا يصبح الدين ـ لا الفساد ولا سوء الإدارة ـ هو الخصم الحقيقي في كثير من الخطابات المصاحبة لهذه التحركات.

الدعم الخارجي لهذه الاحتجاجات لا يأتي بدافع إنساني خالص، بل تحكمه حسابات مصالح واضحة. فالدول الكبرى لا تدعم حركات تهدد منظومتها القيمية أو الاقتصادية، لكنها تتحمس لأي مسار يضعف الخصوصيات الثقافية والدينية للشعوب، ويفتح الطريق أمام إعادة تشكيل الوعي الجمعي بما يتوافق مع مصالحها. ولهذا نلاحظ أن الإعلام الموجَّه لا يركّز طويلًا على قضايا العدالة الاجتماعية أو محاربة الفساد، بل ينقل الصراع سريعًا إلى ساحة “الحريات الشخصية” ونمط الحياة. في هذا السياق، تُرفع شعارات المثلية والانفلات الأخلاقي لا بوصفها خيارات فردية معزولة، بل كرموز أيديولوجية صدامية. إنها أدوات لكسر المرجعية الدينية، واستفزاز المجتمع المحافظ، وفرض تعريف واحد للحرية، يُقصي أي تصور آخر. فكل من يرفض هذا النموذج، حتى لو كان رفضه أخلاقيًا أو فلسفيًا، يُتهم بالتخلف والعداء للإنسان.

الأخطر من ذلك هو قلب المفاهيم. فالعفة تُصوَّر قيدًا، والحياء يُقدَّم عقدة نفسية، والشرف يُسخر منه بوصفه إرثًا متحجرًا، بينما تُمنح المجاهرة بالعهر، والتطاول على المقدسات، والإساءة للذوق العام صفة “التقدم”. وهنا لا نكون أمام تحرير للإنسان، بل أمام عملية نزع إنسانيته، وسلخه عن أي ضابط أخلاقي يحميه من التحول إلى كائن استهلاكي بلا معنى.

الحرية، في جوهرها الإنساني، لا تعني الفوضى ولا العدوان على مقدسات الآخرين، بل تعني الكرامة والعدالة والمسؤولية. أما الحرية التي يُروَّج لها في كثير من هذه الحركات، فهي حرية انتقائية، تسمح بالإساءة ولا تسمح بالاعتراض، وتحمي الانحراف باسم الثقافة، وتجرّم الأخلاق باسم التنوير.

إن ما يجري في كثير من هذه البلدان ليس مجرد صراع سياسي، بل هو صراع على الهوية والمعنى. صراع بين إنسان يرى حريته منضبطة بالقيم، وإنسان يُراد له أن يكون بلا سقف ولا مرجعية، سهل التوجيه والتفكيك. والوعي الحقيقي لا يكون برفض كل احتجاج، ولا بتقديس كل ثورة، بل بتمييز الحق من التوظيف، والعدل من الفوضى، والحرية من الهدم المقنّع


الخميس، 1 يناير 2026

 

محاولة غتيال الملعون عدي صدام حسين عام 1996م

حين تُروى الحقيقة من أفواه أهلها

في أحد مجالسنا العشائرية، حضر إلينا رجلٌ غريبٌ بمقامه، قريبٌ بنسبه، بعيدٌ بغربته, هو ابن عمٍّ لنا من آل زركان، طبيبٌ عُرف بعلمه ومكانته، غادر العراق منذ ثمانينيات القرن الماضي، واستقر في دولةٍ أخرى، حتى بلغ هناك منصب وكيل وزارة الصحة , ومع ما منحه الاغتراب من أمانٍ واستقرار، ظل قلبه معلّقًا بالعراق وأهله , طلب الرجل لقاء عددٍ من أبناء عشيرته، فكان الموعد في مضيف الشيخ مهدي آل مناحي – رحمه الله – حيث اجتمع الرجال. وكان بين الحضور رجلٌ يعرفه القريب والبعيد، لكنه آثر الصمت طويلًا: الأستاذ سلمان شريف دفّار الزركاني , قال الطبيب بهدوءٍ لا يخلو من شوق: «أريد أن أسمع القصة كاملة لمحاولة اغتيال عدي صدام… كما جرت، لا كما تناقلتها الألسن» , فقد كثرت الروايات حول حادثة عام 1996، وتضاربت التحليلات حتى تحولت الحقيقة عند البعض إلى خيالٍ سياسي: قيل إنها محاولة انقلاب، وقيل إن جهاتٍ متعددة تبنّتها، وقيل – وهو الأغرب – إن صدام نفسه دبّر إصابة ولده، في سيناريو أمني مفبرك , وهنا لا بد من التوقف قليلًا: أيُعقل أن رجلاً قتل رفاقه، وأعدم أقرب المقرّبين إليه، وعاث في البلاد قمعًا، يعجز عن سجن ابنه أو قتله إن أراد؟ , إن مثل هذا القول لا يستند إلى دليل، بل إلى صورةٍ وهمية صنعتها رهبة النظام في أذهان من لم يقتربوا من الحقيقة , أما الحقيقة، كما رُويت من قائد المجموعة نفسه، فكانت واضحة، دقيقة، خالية من الادعاء , بداية التخطيط , بدأ الإعداد للعملية مطلع عام 1996، عبر مقري جعفر الطيار و15 شعبان لمجاهدي الأهوار، في منطقة زورة آل جويبر، التابعة لهور الحمار قبل تجفيفه , وأشرف على التخطيط القائدان الميدانيان: رزاق ياسر مظهر الغالبي (سيد حمزة) جبار قاسم دعبل الحچامي (أبو رياض البنّا) وكان حلقة الوصل مع بغداد المجاهد أبو زهراء الشطري , أما التنفيذ، فتولّته مجموعة صغيرة من الشباب، آمنت أن مقاومة الطغيان واجب، مهما كان الثمن , قاد المجموعة الشاب سلمان شريف دفّار الزركاني، وكان في السابعة والعشرين من عمره، وشارك معه: مؤيد راضي حسين الچروخي السراجي (أبو صادق) – المنفذ الرئيس لإطلاق النار , عبد الحسين جليد عاشور (أبو سجاد) – للإسناد وتأمين الانسحاب , وتحسين مجيد عبد مكتوب (أبو زهراء) سائق السيارة ومسؤول النقل , الاستطلاع والتنفيذ , سبقت التنفيذَ أشهرٌ من الرصد والمتابعة , استأجر الشهيد تحسين دارًا في مدينة الصدر (قطاع 45)، وكان ينقل المجموعة كل ليلة خميس إلى حي المنصور، بعد أن تبيّن لهم أن عدي صدام لا يظهر هناك إلا في هذا التوقيت , ويقول سلمان شريف: «انتظرنا أسابيع. وفي مرةٍ اقترح الإخوة إلغاء العملية خوفًا من انكشافها، لكنني طلبت فرصة أخيرة» , وفي مساء الخميس المنتظر، عند الساعة السابعة تقريبًا، ظهر عدي صدام يقود سيارة بورش ذهبية اللون، دون حماية مباشرة. توقف فجأة في الشارع، ويبدو أنه نزل لاستدراج فتاة. وعند وصوله إلى النقطة المحددة، أُعطي الأمر : «أطلقنا عليه قرابة خمسين رصاصة… كنا نعلم أن فرصة نجاتنا لا تتجاوز واحدًا في المئة»,

أُصيبت السيارة إصابات مباشرة، وتبيّن لاحقًا أن عدي أُصيب 17 إصابة، أدّت إلى شللٍ دائم وعجزٍ جسدي معروف , لم تستغرق العملية أكثر من دقيقة. انسحبت المجموعة بهدوء، دون مطاردة أو اشتباك، ثم غادرت بغداد باتجاه الجنوب، وعادت إلى الأهوار  , آثرت المجموعة الصمت، لا خوفًا، بل لسببين: إرباك النظام ليظن أن الضربة جاءت من داخله , حماية عوائلهم داخل العراق , لكن ما لم يكن في الحسبان وقع لاحقًا , فقد أُلقي القبض على أحد أفراد المجموعة في الأردن، في قضيةٍ لا صلة لها بالعملية، وسُلّم إلى الأجهزة الأمنية العراقية، واعترف – تحت التعذيب – ببعض التفاصيل , ومن هنا بدأ الانتقام الحقيقي , المجزرة ,كان انتقام النظام وحشيًا: أُعدم والد سلمان شريف وإخوته السبعة , وأُعدم والد المنفذ مؤيد راضي وثلاثة من إخوته , وأُعدم والد عبد الحسين جليد , هُدمت منازل العوائل، وصودرت ممتلكاتهم , وفي مشهدٍ لا يُنسى، دخلت سيارات تحمل جثامين الشهداء إلى مدينة الشطرة، ترافقها أجهزة الحزب والجرافات , وُضعت الجثامين، ثم صدر الأمر: الهدم… بلا بناء , هُدمت الدار، وأُلقي الأثاث والطابوق في شط الغراف , لم ينجُ من تلك العائلة إلا الأستاذ سلمان شريف , لهذا، حين يخرج اليوم من يستخفّ بهذه القضية، أو يردّها إلى رواياتٍ واهية، نقول بهدوء: نحن أهل القصة، ولسنا ناقلين عن ظنون، ولا معتمدين على مقالات , نحن نعرف التفاصيل… ونعرف الثمن , ومن أراد الحقيقة، فليُعمل عقله قبل لسانه، فالتاريخ لا يُكتب بالخوف، ولا تُفهم الوقائع بالخيال.





الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

الحوزة العلمية بين الافتراء والتاريخ الحي..

بقلم : الشيخ عادل الزركاني

وأنا أراجع ملفات التاريخ، وأتأمّل فيما قيل وكُتب عن العلماء والحوزة العلمية، تتكشف أمامي حقيقة تكاد تكون ثابتة: أن كثيرًا من تلك الكتابات، بل أغلبها، لم تصدر عن قراءة علمية نزيهة، ولا عن نقدٍ منهجي مسؤول، وإنما عن مواقف شخصية، ونقصٍ أخلاقي، وأزماتٍ نفسية أُسقِطت على مؤسسةٍ كان ينبغي أن تبقى فوق الأهواء والصراعات الفردية. فالحوزة العلمية ليست بناءَ شخص، ولا مشروعَ جيلٍ عابر، ولا ثمرةَ مزاجٍ فكريٍّ محدود، بل هي مؤسسة تشكّلت عبر قرون، وأُسِّست على يد أهل البيت عليهم السلام، وسُقيت بدماءٍ طاهرة لعلماء أفذاذ، حملوا العلم والتكليف في أحلك الظروف، وواجهوا حكومات الجور وسلاطين الانحراف والتجهيل بثباتٍ وصبرٍ وتضحية, ومن هنا، فإن ما يُقدَّم أحيانًا تحت عناوين مثيرة من قبيل «الدهاليز المظلمة» وغيرها، ليس كشفًا للحقيقة بقدر ما هو انعكاسٌ لظلام نفس كاتبها، وتدنّي أخلاقه. وهو أمرٌ معروف في الوسط الحوزوي؛ إذ تحكم بعض هذه الأقلام شهوةُ المال، فيتحوّل صاحبها إلى عابدٍ للدينار، يبيع القيم لأجله، ولا يتورّع عن النيل حتى من أقرب الناس إليه، أخيه قبل غيره، حسدًا وحقدًا , ومهما بلغ الخلاف بين الإخوة، فإن الانحدار الأخلاقي إلى هذا المستوى لا يمكن تبريره بخلافٍ فكري أو اجتهادي , وهناك آخرون لا يختلف حالهم كثيرًا: فمنهم من فشل في الحوزة، ومنهم من انزعج من مجموعةٍ كان معها بسبب سلوكٍ ما، ومنهم من لا يستطيع الالتزام بالشرع ولا بأخلاق الحوزة، فيريد أن يكون كما يشتهي، فيقترب شكلًا من النساء، ومنطقًا من المتفلسفين، وفكرًا من الملحدين. وكان الأجدر بهؤلاء أن يذهبوا إلى حيث يريدون، لا أن يحملوا الحوزة مسؤولية فشلهم، ولا أن يبرّروا تدنّي مستواهم باسم الدين والمؤسسة , إن هذه الأسماء، وهذه العناوين، وهذه الكلمات، ستبقى لا بما تدّعيه، بل بما تمثّله شاهدةً على أصحابها يوم القيامة، حين لا تنفع الشعارات، ولا الأقلام المأجورة، ويكون الإنسان في ظلمات القبر مع ما قدّمه بيده ولسانه , لقد مضت على الحوزة العلمية أكثر من ألف سنة، وهي تزخر برواياتٍ ومواقفَ وتضحياتٍ لا تُحصى ولا تُعد. وتشهد صفحات التاريخ بأن العلماء رغم اختلاف مدارسهم وتنوّع اجتهاداتهم شكّلوا حزام أمانٍ للأمة، وحافظوا على كيان المذهب من الذوبان والاندثار. ولولا هذه الجهود المتراكمة، لما بقي للمذهب أثرٌ ولا حضور , وهذا المسار ليس استثناءً في التاريخ؛ فقد مرّ المذهب بابتلاءاتٍ أعظم، وواجه شخصياتٍ أخطر، كالشلمغاني، والنميري، والهلالي، والبلالي، وأبي دلف الكاتب، والحسين بن منصور الحلّاج، وأحمد الكاتب، وأمثالهم إلى يومنا الحاضر. ومع ذلك، لم يتوقف المذهب، ولم تتشوّه صورته إلا في عقولٍ مريضةٍ أصلًا. أما هو في جوهره، فقد بقي نقيًا، محفوظًا بعناية الله، وبجهود العلماء الصادقين , إن هذه الكتب والكتابات لم تضف معرفة، ولم تُصحّح مسارًا، بل زادت الإسفاف إسفافًا، والركام ركامًا، بما تحمله من لغةٍ هابطة، ونوايا مريضة، وتعميمٍ ظالم لا يمتّ إلى المنهج العلمي بصلة , فهل من العقل أو الإنصاف أن نرفض تاريخًا كاملًا من العلماء، كانت الأخلاق جزءًا من ذواتهم، والتواضع سمتهم، والزهد عنوانهم، ثم نسلّم عقولنا لكاتبٍ أو قائلٍ لا يعكس كلامه إلا ذاته، ولا يفضح إلا ما فيه؟ , إن النظرة الموضوعية تكشف بوضوح أن كثيرًا مما يُقال عن الحوزة والعلماء ليس وصفًا لهم، بل تشخيصٌ صادقٌ لحالة القائل نفسه؛ فالكلمة، في نهاية المطاف، مرآة صاحبها، وما يخرج من الإنسان إنما يعبّر عنه قبل أن يعبّر عن غيره. 




الاثنين، 24 نوفمبر 2025

 

قصة السيد محسن الحكيم بين قداسة المرجعية وزيف الاتهامات..
الكلمة أمانة، والصورة أمانة، ومن الخطأ الكبير أن تُستغلّ رموز الدين والعلم والصلاح لتشويه الحقيقة أو لصنع معارك
وهمية. وللأسف نرى في بعض الصفحات مَن يضع صورة المرجع الكبير السيد محسن الحكيم ، ويكتب تحتها كلاماً لا يليق بمرجعيةٍ اجتمع على تقليدها العراقيّون وسائر البلدان الإسلامية، وهو مقام لم يحظَ به غيره في تاريخ المرجعية الحديث , فقد كان عالماً زاهداً متواضعاً، لا يردّ سائلاً ولا يمنع أحداً من لقائه مهما كان صغيراً أو كبيراً. وفي أواخر أيامه، اضطرّ إلى تنظيم دخول الزائرين لكثرتهم، فحصل أن منع الموظف الجديد شقيق السيد الأكبر لعدم معرفته به، فدخل عليه قائلاً بصوتٍ هادئ مستغرب: «شنو الموضوع سيد محسن؟ تمنعني من الدخول عليك؟» فاعتذر السيد إليه بكل احترام، وأمر ألّا يُمنع أحد من الناس، بل يُستقبلوا ويُكرموا جميعاً , لم يكن للسيد الحكيم تاريخ يُستغل ضد الدين، بل كانت مواقفه كلها دفاعاً عن الإيمان والهوية. دافع عن الأكراد وهم ليسوا من قوميته ولا منطقته ولا مذهبه، وحَرَّم قتالهم، وقد كانت فتوى قتالهم صادرة من جهة أخرى تنتمي إلى مذهبهم نفسه. وقد تعرّض السيد فيما بعد للأذى المعنوي والمادي بسبب موقفه هذا، لأن البعث كان يحارب الأكراد، فجاء بعض المتناقضين اليوم ليقولوا: إن فتواه كانت في صالح البعث! وهذا من قلب الحقائق. فالإيمان إيمان، والإلحاد إلحاد، مهما اختلفت الانتماءات , ومن مواقفه المشهورة أنه حين سُئل عن الشيوعية قال كلمته الشهيرة في 20 شباط 1960: «الشيوعية كفرٌ وإلحاد» وهي كلمة تنسجم مع واقع فكرهم ومبادئهم التي أعلنها قادتهم، حيث يعتبرون الدين أفيون الشعوب، ويحلّلون المحرّمات، ويفتحون باب الانحلال بكل أشكاله... وهذه الفتوى لم تكن منفردة، بل كانت هناك فتاوى مماثلة من كبار مراجع الأمة: السيد أبو القاسم الخوئي والسيد عبد الهادي الشيرازي , والشيخ عبد الكريم الجزائري وغيرهم من أعلام الطائفة، وقد قال الشيخ الجزائري: «الشيوعية هدمٌ للدين وكفرٌ وضلال، فلا يجوز الانتماء لها بوجه من الوجوه، كفى الله المسلمين شرّها».
فالمرجعية لا تستهدف حزباً ولا تخدم أجندة سياسية، بل تحفظ العقيدة وتواجه الفكر الإلحادي أينما كان. وقد وقفت من البعث موقفاً مبدئياً أيضاً، لأن المرجعية فوق جميع الأحزاب، ترشد ولا تُرشد، وتقود ولا تُقاد. لكن الخصوم ـ جهلاً أو حقداً أو حسداً ـ حاولوا استغلال تلك الفتوى للطعن بالمرجعية وآل الحكيم، يعيدون قصة باهتة كلما أعوزتهم الحجّة. ويروي أحد الملتصقين بالواقع آنذاك، وهو خال يُدعى «أبو .. »، أن سائلاً قال له:– أحقاً أن الشيوعية كفر وإلحاد؟
فابتسم وقال: قبل أن أجيب عن سؤالك هذا، سأطرح عليك سؤالاً يكون جوابه مفتاحاً لموضوعنا: ما رأيك لو سمعتَ شخصاً يقول إنّ الشيوعيين لصوصٌ، ومرتشون، وفاسدون، وإنّ قادتهم يقبعون خلف قضبان النزاهة في السجون العراقية؟
قال نعم، لأنهم بلا مناصبٍ علياٍ والسرقة والرشوة نوع من الفساد لا كله يا خال ؟ والذين يحلّلون كل محرَّم، ويُبيحون الخمر، ويروّجون لشعاراتٍ منحطّة مثل: «بعد شهر ماكو مهر… والقاضي نذبه بالنهر»، ويعدّون العفّة والحجاب والدين مجرّد أوهام، كما قال رمزهم الإلحادي «كارل ماركس»: «الدين أفيون الشعوب». هل هؤلاء شرفاء ولديهم نزاهة , فالسرقة لا تختلف عن التدهور الأخلاقي والانحلال؛ والتي كلها في ميزانهم مباحة، لأنها لا تقوم على إيمانٍ ولا على منظومة قيمٍ سماوية ، ويصف الدين بأنه مخدّر للعقول… هل هو مؤمن أم كافر؟
والحرامي حرامي الدين ليس له علاقة به كما الملحد لا علاقة له به الانحراف الأخلاقي والدين الأول افضل من الثاني محابة الاخلاق , فأين الحياء؟ أين حدود الله؟ وهل يُجمع الإيمان مع فكر ماركس الإلحادي؟وهكذا شهد أصحاب الفكر على أنفسهم قبل شهادة العلماء عليهم... ومن نتائج تلك المواجهة الفكرية أن شاعراً شيوعياً كان يكتب قصائد للرواديد الحسينيين، ادّعى المحبة لأهل البيت (ع)، فلما صدرت فتوى السيد الحكيم انكشف ما يخفيه قلبه، وكتب قصيدته المسيئة مخاطباً السيد: «يا آية الله شلون آية… وتعتز بحدَيِد وبعبّاية» فدلّت ألفاظه على حقيقته، وأن ما كان يظهره للدين مجرد قناع يخفي إلحاداً وعداءً. واليوم، وبعد مرور العقود، لا تزال المرجعية العليا في النجف الأشرف ممثلةً بالسيد السيستاني (دام ظله) وسائر المراجع تُجلّ السيد الحكيم، وتعدّه رمز المرجعية العليا ونهجها الأصيل في حماية الدين والمجتمع.
وفي المقابل، ما يزال أعداء الحق والجهلة يرددون الشبهات القديمة لمحاولة تشويه التاريخ الناصع للطائفة ولدور آل الحكيم في خدمة الأمة. فهل نصدّق أهل العلم والورع الذين يحملون إرثاً من نور؟أم نتّبع كلمات من لا دين لهم ولا خُلق؟!
إن التاريخ ينطق بأن السيد الحكيم بقي لله، فبقي الله له الذكر الحسن.
خلّد اسمه في ضمائر المؤمنين، وسيظلّ رمزاً للدفاع عن العقيدة ضد كل فكر منحرف.. وسيظلّ صوت الحق أعلى: المرجعية كانت وستبقى صمّام أمان هذه الأمة , لا تركع لسلطة، ولا تتلوّن بلون حزب، بل تقف دائماً مع الله… والله مع الصادقين.


اعتزاز حسن... حين انتصر الإنسان على الموت دعنا من ضجيج الخلافات الفقهية، ومن معارك الكلمات التي استهلكت القرون؛ هذا يسب، وذاك يرد، وهذا يؤ...