الأربعاء، 10 سبتمبر 2025

 

صناعة الذات..

الإنسان أشبه بكرَةٍ تتدحرج في ساحة الدنيا نحو الهدف الأسمى، غير أنّ هذه الساحة ليست مستوية، بل مليئة بالمنعطفات والمطبات. فقد تنحدر الكرة أحيانًا إلى مياه آسنة تكاد تغرقها، وأحيانًا أخرى تمرّ بمياه عذبة تمنحها حياة جديدة. وقد تصمد وتتجاوز المحنة لتنطلق من جديد، أو قد تستسلم فتتلاعب بها الرياح حتى ينتهي بها المطاف بين أقدام الزمان مطروحة في أقرب مزبلة، لكن الفارق الجوهري يكمن في أن هذه الكرة لو كانت تُفكّر في التكامل لأجل الوصول، لبلغت الهدف، وكانت النتيجة فوزًا ونجاحًا. أمّا إذا تركت نفسها للريح، فإنها تهلك قبل بلوغ الغاية. وهكذا هو الإنسان؛ يحمل في أعماقه رغبة صادقة في أن يصنع ذاته ويحقّق معنى وجوده، غير أنّ هذه الصناعة ليست عبثًا ولا تقوم على الهوى، بل على ما رسمه الله تعالى لعباده من طريق الهداية والتكامل.

إنّ بناء النفس هو أوّل خطوات صناعة الذات، وهو أصعبها في الوقت نفسه؛ لأنّ الإنسان قد يغلب غيره، لكن أعظم نصر يحققه هو أن يغلب نفسه وشهواتها، وأن يُلزمها بطاعة الله. وقد قال أمير المؤمنين (ع) «أفضل الجهاد جهاد النفس عن الهوى»، وفي هذا المعنى إشارة واضحة إلى أن صناعة الذات تبدأ من الداخل، من تهذيب الروح وتقويم السلوك.

ومن يضع أمامه رضا الله غاية، يجد أنّ حياته كلّها تتحوّل إلى مدرسة للتزكية والارتقاء. فالصبر صناعة، والصدق صناعة، والعمل الصالح صناعة، وكلّها أدوات لبناء الذات وفق المنهج الإلهي، إننا نعيش ما تبقّى من أعمارنا في رحلة امتحان، نرجو أن نختمها برضوان الله. لذا كان دعاؤنا الدائم: اللهم وفقنا لصناعة ذواتنا بما يرضيك، واهدنا سبيلك المستقيم.


 صناعة التفاهة والتافهين

الحقيقة أنّ الكثير من الناس صاروا شركاء في نشر التفاهة والتافهين، سواء في الواقع أو في العالم الافتراضي. نرى مطعماً أو مركزاً تجارياً أو متجر ملابس ـ وهو باب رزق شريف بحدّ ذاته ـ لكن الدعاية له تكون بامرأة تافهة شبه عارية، أو بشخص لا قيمة له في ميزان الفكر والأخلاق , والأغرب من ذلك أن نرى إعلاناً لحجاب أو عباءة زينبية تُسوِّق له امرأة سافرة، مشهورة في العالم الافتراضي بمخالفاتها! أيّ تناقض هذا؟! كيف تُعرض شعيرة من شعائر الحشمة والستر بأداة مناقضة لمعناها وجوهرها؟ إنه تدنٍ خطير في الفكر والذوق والأخلاق؛ حيث يُختزل الإعلان في الإثارة بدل القيمة، ويُقدَّم التافهون بوصفهم قدوات، في حين يُغَيَّب أهل الفضل والفكر والرسالة , إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ من وعي الناس، ورفضهم أن يكونوا وقوداً لشهرة التافهين، أو شركاء في الترويج لهم، لأن السوق لا يقوم إلا بالطلب، ولو أدرك الناس خطورة الأمر لأغلقوا أبواب هذه التجارة الرخيصة.


 «لا أنتمي إلى فريق، ولا أحتكم لجماعة، ولا أوطّر نفسي في إطار مذهبي أو تكتل حزبي؛ إنما أسير على نهج محمد وآل محمد، أرجو أن أكون زينًا لهم لا شينًا. ومن رآني بعين التخلف أو بعيدًا عن المدنية والتطور، أو نظر إليَّ بعين أمويّة، فلن يغيّر من حقي شيئًا.»



الاثنين، 4 أغسطس 2025

 

القضية هنا حين يتوهّم الجاهل أنّه وصيّ على الحق , عندما يسقط البعض في وحل الانحراف الفكري والأخلاقي، ويظنّ أنّه المدافع عن الدين والحقيقة، وهو في أعماقه لا يرى إلا نفسه، يعتقد أنّه الحقّ المطلق وأنّ الآخرين جميعًا جهلاء، عندها نكون أمام نموذج خطير يتستّر خلف شعارات الحقّ ليُمارس أبشع أشكال الإسفاف والتجاوز , وما نشهده اليوم من وقاحاتٍ متزايدة ومظاهر منحرفة لبعض الأسماء، وما سيأتي بعدها ممّن يسير على خطاهم، ليس إلا نتيجة طبيعية لظهور فئة من الجهلاء الذين يتوهّمون أنّ الوقاحة بطولة، وأنّ الإساءة حرّية.

والمؤسسة الدينية أمام حيرة حقيقية: هذا النوع من الأشخاص كثيرًا ما يُحرَّك من وراء الكواليس، فإذا جاءه الردّ الحازم أو الإقصاء المناسب، تحوّل فجأة إلى "رمز ثوري" على طريقة تشي جيفارا، واكتسب تعاطفًا لا يستحقّه , ومع ذلك، فإنّ مسؤوليتنا –نحن الأفراد قبل أي جهة أخرى– أن نردّ على هذه الانحرافات بوضوح وبحزم لا هوادة فيه وعلى جميع المستويات؛ لأنّ السكوت عنها يفتح الباب واسعًا لكل دخيل ومريض ليتمادى في الإساءة دون خشية من عاقبة.

ولعلّ ما يثير الأسى أنّ هذه الحالات لا تتوقف، بل تتكرر بين الحين والآخر، فيخرج علينا تافه أو مجموعة تمارس علينا "تدوير النفايات الفكرية المستهلكة"، ظانّين أنّهم جاؤوا بجديد، بينما هم يكررون أسوأ ما أنتجه الانحراف من قبل.


الجمعة، 25 يوليو 2025

 "ثمّة بونٌ شاسعٌ بين من يرتقي بذاته نحو الطهارة، ومن يرضى لنفسه مهاوي الدناءة. ولعلّ أعظم ما يعذّب أهل الصغار هو رؤية الطيبين في مقاماتهم الرفيعة، فيحاولون عبثًا تلويث نقائهم، غير مدركين أنّ الطهارة لا تُنال بتدنيس غيرهم، وأنّ السموّ لا يُدرك بالجرح، بل بصفاء الذات وعلوّ الهمة."


الأربعاء، 23 يوليو 2025

 الخدمة الحسينية.. عبادة الجهر بالإصلاح

بقلم: عادل الزركاني

في ساحة الخدمة الحسينية تتساقط الألقاب وتذوب العناوين، فلا سيادة إلا لاسم "خادم الحسين (ع)"، ولا شرف يعلو على شرف الانتماء إلى هذا المقام العظيم. فالخدمة هنا ليست وجاهة اجتماعية ولا فرصة لذاتٍ تبحث عن اعتراف الآخرين، بل هي مقام روحي يُنال بالإخلاص، ويتألق بالنوايا الصافية وحدها , إن العبادات المفروضة والمسنونة – كالصلاة والصوم والحج والزكاة – تشترط خلوص النيّة لتكون مقبولة، وإن أُديت بلا صفاء قلب صارت مجرّد حركات جسدية وتعب نفسي بلا أثر  , أمّا الشعائر الحسينية فطبيعتها تختلف: فهي دعوة علنية، وإصلاحٌ جهوريّ الصوت، لا تتحقق روحها إلا عندما تُعلن أمام الناس، لأنّ جوهرها ليس العبادة الذاتية فحسب، بل الرسالة العامة التي تُلقي بظلالها على كل إنسان، في كل زمان ومكان.. هي كيمياءٌ اجتماعية وروحية تعمل بالعلن لا بالخفاء، هدفها الإصلاح والتغيير وبثّ القيم التي نهض لأجلها الحسين (ع): قيم الحق والعدل والكرامة. ولهذا فإن إقامة المجالس، ورفع الرايات، ولبس السواد، والسير في المواكب، والتبرع لإقامة الشعائر، كلها ليست مجرد عادات أو طقوس، بل هي إعلان جماعي بأن قضية الحسين حيّة، وأنّ الإنسان ما زال يرفض الظلم والانحراف , لكن، ويا للمفارقة، هناك من يحاول اختزال ثورة الحسين في زاوية ضيقة، أو يستثمرها شعارًا بلا مضمون، فيظهر بمظهر الداعي إلى الإصلاح وهو أبعد ما يكون عن نهجه. هؤلاء يضحكون على العقول الساذجة، لأنّ منطق الثورة الحسينية واضح: إصلاح الفرد والمجتمع، ومواجهة الظالم، وتحرير الإنسان من عبودية الهوى والسلطان.

  إن خدمة الحسين ليست مجرد عمل موسمي، بل هي موقف فلسفي ووجودي: أن تكون حيث يقف الحق، وأن ترفض الظلم كما رفضه الحسين، وأن تظلَّ صادقًا في دعوتك كما كان صادقًا في شهادته. ومن لم يدرك هذا البعد، فشعائره ناقصة وإن علت أصواتها، لأنه لا يكفي أن ترفع راية الحسين... بل يجب أن تسلك طريقه.

 


الثلاثاء، 22 يوليو 2025

 هل ظلمت الزهراء؟ هل شرّع النبي ما يخالف العدل؟

بقلم: عادل الزركاني

سؤالٌ عميق ومصيري، يتعلّق بإحدى القضايا المحورية في التاريخ الإسلامي، قضيةٍ لم تكن مجرد خلاف على قطعة أرض أو إرث مالي، بل كانت اختبارًا حيًّا لمفهوم العدالة، ومِحكًّا حقيقيًّا لمكانة أهل البيت في الأمة. إنها قضية فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ابنة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، التي مُنعت من إرث أبيها، وقيل لها: "ما تركه رسول الله صدقة، لا يُورث!", وهنا يُطرح السؤال الأشد خطورة: هل ظُلمت الزهراء؟ وهل شرّع النبي ما يخالف العدل الإلهي؟ وهل يصح أن تُعامل بنت النبي كما تُعامل سائر نساء قريش؟ , فإن سلّمنا – مجازًا – مع من يقول إن للنبي خصوصية تشريعية، وإن ابنته تُعدّ كأي امرأة من نساء المسلمين، فكيف لم تُمنع نساء النبي من الميراث؟ زوجاته جميعًا ورثن بيوته، وأخذن حصتهن من الثمن، كما نصّت عليه الشريعة. أما فاطمة، وهي ابنته الوحيدة، فإنها – بحسب نصوص القرآن – ترث النصف إن لم يكن معها أخت، فأين ذهب هذا الحق؟! بل إنها كانت تسكن في بيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلو لم تكن متزوجة، لأجاز فقه الواقع أن تُخرج من بيت أبيها وتُلقى في الطريق! , ولكن الزهراء (عليها السلام) لم تطالب بدافع دنيوي، وإنما خرجت لتُقيم الحجة على الأمة، وتدافع عن المبدأ، وتكشف الغصب. فهي الزاهدة العابدة، التي مجلت يداها من الطحن على الرحى في حياة النبي، فهل كانت تطمع في مال الدنيا بعد رحيله؟! , طالبت فاطمة بفدك، الأرض التي كانت في يدها، والتي وهبها النبي لها في حياته كما رُوي. لكن أبا بكر رفض، واستند إلى حديث منسوب إلى النبي: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة... فقابلته الزهراء بالقرآن، وقالت – كما رُوي عنها:"أترثك بناتك ولا أرث أبي؟!" , وهنا تقف آيات الله ناطقةً بالحق: "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ...وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ...يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ...كل هذه النصوص تدل على أن الأنبياء يورّثون، فهل يُلغى هذا الحكم الصريح بحديث آحاد، لم يروه إلا راوي واحد، وصار فيما بعد ذريعة لتجريد آل البيت من حقوقهم؟ , خرجت الزهراء غاضبة من مجلس الخليفة، وفي طريقها لقيها عمر بن الخطاب، فسألها:من أين جئتِ يا فاطمة؟", قالت: "من عند أبي بكر، أخبرته أن رسول الله أعطاني فدك، وأن عليًا وأم أيمن يشهدان بذلك، فأعطانيها وكتب بها كتابًا . فما كان من عمر إلا أن أخذ الكتاب، وقال: إن عليًا يجرّ إلى نفسه، وأم أيمن امرأة!" ثم بصق في الكتاب، ومزقه، وخرّقه! , أي احترامٍ هذا لبنت رسول الله؟! أي فقهٍ يبرّر البصق في وثيقة حُقوقية تحمل أثرًا نبوياً؟! وأي إيمان يتغاضى عن غضب الزهراء، وقد قال فيها النبي (صلى الله عليه وآله): فاطمة بضعة مني، من أغضبها فقد أغضبني , وقد قالت الزهراء، كما في صحيح البخاري:"فوالله لأدعونّك في كل صلاة... ولماذا لا يكون العكس عمر هو الذي يجر الى نفسه وهو الذي يجري , ولماذا فعل ذلك وأبو بكر لم يفعل ذلك وهل هو احرص من الخليفة او انه يعلم انه بعده والحكم لهم دون غيرهم , ومن العجب العجاب، أن يُتّهم عمر في "رزية الخميس" بأنه قال: إن رسول الله يهجر، أو (غلبه الوجع!" في قولهم لتخفيف الكلمة ) حين أراد النبي أن يكتب للأمة كتابًا لا تضل بعده، فمُنع من ذلك. وهم أنفسهم الذين مزّقوا كتاب ابنته، وبصقوا فيه، وخرّقوه! فهل لو كُتب كتاب النبي في رزية الخميس، لكان مصيره إلا كمصير كتاب الزهراء؟! النتيجة المؤلمة واحدة: كتاب رسول الله للأمة قد مُنع، وكتاب ابنته مُزّق ومُحِيَ، فأين هي حرمة السنة؟ وأين هو الاحترام لآل محمد؟ ثم يأتي من يُبرر فعل هؤلاء، ويتهم فاطمة بالخروج عن أمر أبيها! فأين النصّ الذي منعها من إرثه؟ وأين هو التشريع الذي يُبطِل القرآن بحديثٍ منفرد؟ لو كانت القضية مجرد حديث، لهان الأمر. لكنه حديثٌ انفرد به راوٍ واحد، وأُقيمت به دولة كاملة صادرت إرث بيت النبوّة باسم الدين! وها هنا يفرض العقل سؤاله:من هو المستفيد من حرمان فاطمة من إرثها؟ , الجواب واضح: الدولة الجديدة، التي أرادت حصر الأموال ببيت المال، ونزع القوة من يد آل محمد (صلى الله عليه وآله)، وإقصاء رموز الوحي , فدك لم تكن محل نزاع في حياة النبي، وكانت في يد فاطمة، فلماذا انتُزعت منها بعده؟! , بل كيف يُقتحم بيتها، وتُفتّش بيوت أهل البيت، ويُدخل عليهم بالقوة بحجّة التفتيش عن مال، أو إخراج علي بن أبي طالب للبيعة؟! , إنها لم تكن حادثة فردية، بل عملية ممنهجة لتهميش أهل البيت، وتمييع حقهم، وتقوية دولة قريش في وجه بيت الوحي , بل حتى الحديث الذي تمسّك به القوم، خالفه عمر بن عبد العزيز – الخليفة الأموي – حين ردّ فدك إلى أولاد فاطمة، وقال أمام مشايخ بني أمية وأهل الشام: فاطمة عندي صادقة فيما تدّعي، وإن لم تقم بينة، وهي سيدة نساء الجنة. وأنا أردّ فدك إلى ورثتها، وأرجو بذلك شفاعة رسول الله يوم القيامة. ولو كنت مكان أبي بكر، وادّعت فاطمة شيئًا، لصدّقتها . فهل من حُسن في خلافةٍ لا تثق بشهادة فاطمة، وهي سيدة نساء الجنة؟ , ويقولون: إن فاطمة ورثت العلم والحكمة، لا المال , فنقول: أين أثر هذا الإرث؟ وأي إرثٍ يُكذّب صاحبته، ويُمزّق كتابها، وتُهان كرامتها؟! , إن كانت فاطمة أعلم الخلق بعد نبي الله، فشهادتها أولى بالقبول، وكلامها امتدادٌ لكلام أبيها، فهل يُبصق في ورقتها وتُخرق؟! , أي أمةٍ هذه، تُمزق كتاب بنت نبيها؟! وأي فقه هذا، يسكت عن الظلم؟! , لسنا ممّن يُطلق التهم جزافًا، لكننا نطالب بإحقاق الحق، ورفع الغطاء عن مظلومية سكت عنها التاريخ طويلًا , فاطمة الزهراء (عليها السلام) لم تكن امرأة عادية، بل كانت ميزان الحق والباطل، ومِحك رضا الله ورسوله , فكيف يُغضبها من نُسبوا إلى الخلافة؟! وكيف يُبرّر ذلك باسم "الاجتهاد"، إن كان الاجتهاد يُبطل آيات الإرث، ويهدر كرامة البضعة الطاهرة؟! , فاطمة الزهراء (عليها السلام) لم تُظلَم من ربها، ولا من نبيها، بل من قومٍ تجاهلوا منزلتها، وأسكتوا حجّتها، وصادروا إرثها، باسم الدين والسلطان , وإنها – كما قال الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) – شهيدةٌ لمظلوميةٍ لم يُكشف عنها النقاب بعد..."


اعتزاز حسن... حين انتصر الإنسان على الموت دعنا من ضجيج الخلافات الفقهية، ومن معارك الكلمات التي استهلكت القرون؛ هذا يسب، وذاك يرد، وهذا يؤ...