الثلاثاء، 15 يوليو 2025

 

الادّعاءات لا تكفي وحدها

الشيخ عادل الزركاني

الادّعاءات وحدها لا تعني شيئًا، وليست ذات قيمة حقيقية، فكم من أناسٍ ادّعوا النبوة أو الولاية، أو زعموا أنهم مرسلون من الله تعالى، أو مراجع دين وأئمة هدى! , كل شخص يمكنه أن يدّعي ما يشاء، لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُطرح هو: على ماذا يبني هذا المدّعي ادّعاءه؟ , وهل يمكننا كشف زيفه وكذبه؟ , أهل العقول والبصائر لا يحتاجون إلا دقائق معدودة لتمييز الحق من الباطل، وأما من التبس عليه الأمر، فعليه أن يتأمل ويتدبّر حتى تتجلّى له الحقيقة. أما الدخول في الشبهات بغير علم فهلاك محقّق، والخروج منها ليس بالأمر الهيّن، تمامًا كمن لا يُجيد السباحة فيُقْدم على القفز في عرض البحر، واهمًا أنه سيتعلم السباحة هناك! , بل إن بعض المدّعين يُصدّقون أكاذيبهم كما حصل مع ذاك المجنون الذي أوهم الأطفال بوجود وحشٍ قادم، ففرّوا هاربين، وكان هو أول من هرب، خائفًا من الكذبة التي اختلقها! هكذا تجدهم يُغذّون وهمهم ويعيشون فيه، رافضين أي صوتٍ يعارضهم، مُدّعين أنهم أصحاب الحقيقة المطلقة , وبعضهم منهم لم يدرسوا يومًا في الحوزة، تعلموا فقط بعض الحركات والجدليات السطحية، ثم نصّبوا أنفسهم دعاة أو مراجع، وأصبح كلٌّ منهم يتباهى على الآخر بـ"أنا وأنا"، بينما هم يمارسون الانحدار الأخلاقي بأبشع صوره: سبّ، وقذف، وشتائم نابية، وتجاوز على الذات الإلهية والأنبياء والأولياء، بحجة أن "الله غير الله الذي تعرفونه"، و"النبي غير النبي الذي تعتقدون به"! وهذه مغالطة الجهّال , الله سبحانه هو الله، عرفه الجاهل أو أنكره، والنبي (ص) هو هو، مهما أنكر المغالون أو شوّهوا سيرته. هذا الخلط الخطير بين الجهل والعلم، حين يتحوّل الجهل إلى ما يُسمّى علمًا، هو أخطر أنواع الانحراف، لأنه يجمع بين الضلال الفكري والانهيار الأخلاقي بشكلٍ متحجّرٍ عنيد , وهؤلاء يقتلون أنفسهم من أجل وهم داخلي صنعوه، وربما يصرّحون بأفكار لا يؤمنون بها أصلاً، لكنهم مضطرون للبقاء في كذبتهم حفاظًا على ما يعتقدونه "مكانة" أو "نفوذًا"، فيستمرّون في غيّهم وعنادهم , يبقى السؤال الجوهري: كيف نميّز المدّعي في عصرٍ اختلطت فيه المفاهيم، وتزعزعت فيه القيم والأخلاق؟ , أعتقد أن الأمر ليس بالصعب إذا رجعنا إلى ذواتنا، وتحكّمنا في عواطفنا، وتحرّرنا من أهوائنا، ومن أسر النفس الأمّارة بالسوء، وما تراكم فيها من رواسب وأوهام , علينا أن نرتفع عن سطح الأحداث، وننظر إليها بعين الباحث النزيه، لا المتعصّب المتشنّج , ثم نسأل أنفسنا: هل هذا المدّعي، أو ذاك الكاذب، يسير على نهج آل محمد (عليهم السلام)؟ , هل هو ملتزم بأخلاقهم، بسلوكهم، بمنطقهم، بطريقتهم في الحوار والعمل؟ , النهج هو المعيار، لا الشعارات، ولا الألقاب، ولا الادّعاءات الجوفاء , ثم نأتي إلى ركنين مهمين في شخصية العالم الرباني: العلم والحِلم , القضايا العلمية والنظرية الدقيقة لا تُعرض على عامة الناس ليقيّموها بالأذواق والانطباعات، بل تُناقَش وتُختبَر في ميدان العلم على أيدي أهل الاختصاص. ولذلك، فإن تقييم الادّعاءات العلمية أو الدينية من اختصاص أهل العلم والمعرفة، لا العوام، ولا متابعي وسائل التواصل , أما من يُطلق على نفسه ألقابًا ضخمة من قبيل: "فقيه الزمان" أو "عالم العصر"، فليعلم أن كلمة عالم ليست مجرد وصف أو رتبة اجتماعية، بل مفهومٌ مركّبٌ عميق، ذو دلالات أخلاقية، روحية، واصطلاحية , ولا يناله من لا يستحقه، ولا يصله من لم يُطهّر نفسه، ويُنمِّ علمه، ويصبر على طريق التهذيب والبناء , العقل والحقّ يشهدان أن أغلب هذه الدعوات الطارئة التي نسمع عنها اليوم، هزيلة ومخجلة، لا تمتّ للعلم ولا لأهله بصلة. أصحابها كذّابون دجّالون، هدفهم استغلال البسطاء والسذّج من الناس، وتمزيق الصفوف، وإبعاد الناس عن سبيل الهدى، وتشويه المقدّسات.

 


الاثنين، 14 يوليو 2025

 الحوار.. بين النُبل والانحراف

الشيخ عادل الزركاني

الحوار وسيلة نبيلة للتواصل الإنساني، وقد تتعدد دوافعه بحسب نية المتحاور وسعة أفقه , فمنه ما يكون لأجل الترفيه، أو طلب الفائدة والمعرفة، أو لمجرد متعة الحديث وتبادل الآراء، وأحيانًا يكون لإيصال فكرة يحملها المتحدث، ويسعى إلى مشاركتها مع الآخرين بلغة الاحترام والتفهّم , لكن حين يتحوّل الحوار إلى ساحة غلبة وصراع شخصي، أو إلى مجرد محاولة لتخطئة الآخر وإثبات التفوق عليه، فإنه يفقد روحه وقيمته، ويتحوّل إلى جدل عقيم، لا يُثمر فكرًا، ولا يُنتج وعيًا، ولا يُبني على أساسه تفاهمٌ أو تقارب , وأشدّ ما يكون هذا الانحراف حين يدخل الحوار في المساحات العقائدية، فكلّ طرف يسعى لجذب الأنصار إلى صفّه، ودفع خصمه إلى النار! وهنا تبلغ الجهالة ذروتها، وتظهر العصبية بأقبح صورها، إذ يتحوّل الدين – وهو دعوة للهداية والرحمة – إلى وسيلة للخصومة والتكفير، لا للفهم والتقريب.





الأحد، 13 يوليو 2025

 فلسفة الدعاء والتوسل بأهل البيت (عليهم السلام). . .

الشيخ عادل الزركاني

📿  كثيرًا ما نُواجَه – بل نُتَّهَم – حين نرفع أيدينا وقلوبنا قائلين: يا رسول الله... يا علي... يا زهراء... يا حسين... فينهال علينا السفهاء بالتكفير، ويصمونا بالشرك، ويقولون: أنتم تعبدون غير الله! فأقولها لكم – وبملء اليقين – واللهِ ما عبدنا غير الله طرفة عين، وما سجدنا إلا له، وما توجّهنا إلا إليه، ولكننا عرفنا قدر أوليائه، وأدركنا مقام حججه، فطلبناهم شفعاء، وجعلناهم وسيلة، كما أمرنا ربّنا في كتابه:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ نحن حين نقول: يا أبا الحسن، يا أمير المؤمنين، يا وجيهًا عند الله، اشفع لنا عند الله، لسنا نقول إنك خالقٌ أو رازق، ولا إن الزهراء تُحيي أو تُميت، بل نعتقد أن الخالق هو الله وحده لا شريك له، لا وسيط له في الخلق، ولا شبيه له في الألوهية , ولكننا نقول: يا علي، لأنك باب من أبواب الله... يا فاطمة، لأنك سيدة نساء العالمين... يا أبا عبد الله، لأنك ذبيح الله، وباب نجاةٍ لمن عرف قدرك , أيها السائلون: لماذا التوسل؟ لماذا لا ندعو الله مباشرة؟ , أقول: الله لم يمنع الدعاء المباشر، بل شجّع عليه، ولكن هو الذي أمر بالتوسل! , هو الذي فتح أبوابًا للوصول، وسُبلاً للهداية، ووسائل للقبول، فما أنكرنا الدعاء لله، ولكننا علمنا أن له أبوابًا وأهلًا , تقولون: “الله لم يقبل هذا التوسل”؟ دعونا نحن وربنا! , ونحن حين ندعوه من خلال أوليائه، فإننا نستشعر القرب، ونوقن بالإجابة، ولو لم نوقن أن الله يستجيب بهذا الطريق، لما طرقنا بابه بهذا المفتاح , أنتم، تقولون إن هؤلاء "أموات لا ينفعون"! فما بالكم تذكرون أمواتكم وتزورون قبورهم وتطلبون الرحمة لهم؟ , بل عندكم من يقول – كما قال ابن عبد الوهاب:"عصاي هذه خيرٌ من محمد لأنه ميت"! فأيّ دين هذا؟ وأيّ فهم هذا؟ إذا كانوا لا ينفعون، فلماذا ذُكروا في صلاتنا؟ , لماذا لا تُقبل الصلاة إلا بالصلاة على محمد وآل محمد؟ , أذكرتم الملك أو الرئيس ليستجيب، وتركتم من أمر الله بولايتهم؟ أيّ عقل هذا؟ وأيّ خبث خفيّ يتدثر باسم الدين وهو دين الأمويين لا دين محمد وآله؟ أما سمعتم حديث النبي (صلى الله عليه وآله): "يا علي، لا يعرفك إلا الله وأنا، ولا يعرفني إلا الله وأنت، ولا يعرف الله إلا أنا وأنت"؟ حديث عظيم، يدل على أن معرفة الله لا تُنال بعقولنا القاصرة، بل من خلال أبواب عرّفنا الله بهم، وطرق أوصلنا إليهم , ومثلما أرسلهم لهدايتنا، جعلهم أبوابًا للدعاء، ووسائل للقبول، كما أن الصلاة وسيلة، والصيام وسيلة، كذلك أهل البيت وسيلة، بل الصلاة لا تُقبل من دون ذكرهم، ولا يُتمّها الله بغير الصلاة عليهم , نحن لا نعبد أهل البيت، بل نُطيعهم كما نُطيع من أمر الله بطاعته، ونعلم أنهم أبواب القرب، ومصابيح الهداية، وسفن النجاة، وهم مَن قال عنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدًا".. تأمّلوا لفظ النبي (ص) قال: "تارك فيكم"، أي أن العترة باقية فيكم، مستمرة، كما أن القرآن باقٍ فيكم، باقٍ في حياتكم، في عقيدتكم، في عباداتكم، في دعائكم! ,نحن ندعو الله بآيات كتابه، ونتوسل إليه بكلامه، أفَحلال أن ندعو الله بكتابه، وحرام أن ندعوه بأهل بيت نبيّه؟ أفَيكون القرآن وسيلة، والعترة لا؟ أيُّ منطقٍ هذا؟ وأيُّ دينٍ هذا الذي يبتر الثقل الثاني؟ , أليس ذلك عنادًا، وتحجّرًا فكريًا، وخروجًا عن نصٍّ صريحٍ نبويٍّ لا يختلف عليه اثنان؟ , إن مَن يمنع التوسل بالعترة الطاهرة، مع إقراره بالتوسل بالقرآن، إنما يناقض نفسه، ويطعن في وصية رسول الله (ص)، ويُطفئ النور الذي أبقاه النبي بيننا

أيها الإخوة في الله...احذروا ممّن يجعل محبة أهل البيت تهمة، أو يسخر من التوسل بهم، أو يقول: “هذا شرك”، أو “بدعة”، فإنما يمدّ يده بخيط الجاهلية، ويمشي على أثر بني أميّة، الذين رأوا في أهل البيت خطرًا على عروشهم، فشوّهوا ذكرهم، وجعلوا المحب مشركًا، والمُحبّ المتوسل مشبوهًا , ونحن نقولها بملء الفم، وبقلوب مطمئنة: يا علي، يا فاطمة، يا حسن، يا حسين، يا وجوهًا عند الله... اشفعوا لنا عند الله , ولا تهمّنا ألسنة الحاقدين، ولا نلتفت إلى صغائر الجاهلين، فالتوسل بكم طريق إلى الله، وهو من أبواب رحمته.



الكرم بين الفضيلة والتوحّش. . .

الشيخ عادل الزركاني

الكرم، بلا شك، صفة جميلة وممدوحة، وهو من الأخلاق التي تحبّها النفوس وتقدّرها المجتمعات ’ لكن حين يتحوّل الكرم إلى مشهدٍ يخالف الذوق، وينحدر عن رُقيّ الطبع الإنساني، يفقد الكثير من بهائه ويقترب من صور الافتراس! ’ كم من مأدبةٍ بُنيت على نية الإكرام، فإذا بها تتحول إلى مشهد فوضوي، تُذبح فيها الشهية قبل أن تُلامس اللقمة، ويُجرَح فيها الذوق قبل أن يُخدش الجوع , حين ترى عددًا من الرجال يتزاحمون حول خروفٍ مذبوح، وُضع كاملًا على صحن كبير، أو حول جزور بتمامه، ينهشون منه دون ترتيب أو احترام، فإن الصورة أقرب إلى تجمّع للسباع حول فريسة، أو ذئاب تقتسم الغنيمة، منها إلى صورة الكرم الجميل , الكرم لا يعني ملء الموائد فحسب، بل يشمل أيضًا طريقة التقديم، وهدوء التناول، واحترام الحاضرين بعضهم لبعض , فالطعام ليس فقط ما يُؤكل، بل أيضًا ما يُقدَّم بذوق، ويُؤكل بأدب، ويُشارك فيه الآخرون بطمأنينة نفس، لا بزحام الأيدي ونهم الأبصار , الكرم فضيلة، لكنه يفقد نوره إذا غابت عنه الأناقة الإنسانية، وتحول إلى بهرج بصري أو فوضى بدائية , فلا تجعلوا موائدكم مسارح للغريزة، بل مجالس للبركة، والتهذيب، والمودّة.


 

بين الشعار والواقع مسافة الأمل..

الشيخ عادل الزركاني

كثيرًا ما يُتَّهم أصحاب الشعارات، أو الكلمات الإيجابية والإصلاحية، بأنهم يبيعون الوهم أو يتهرّبون من مواجهة الحقيقة، لكن الواقع أن هؤلاء يسيرون في طريقها، ويحاولون الوصول إليها وسط دربٍ وعرٍ وشاقّ. فالحقيقة نفسها أعقد من أن تُختصر بوقائع اليوم أو معطيات اللحظة، إن الشعارات، وإن لم تكن دائمًا انعكاسًا مباشرًا للواقع، إلا أنها تُمثّل ما هو أعمق: الأمل الذي نتمسّك به، والطموح الذي نرغب أن نصير إليه. ليست كل الشعارات كاذبة، وليست المقالات التربوية أو الإصلاحية مجرّد ترف فكري، أو كلامًا لا يُطبّقه قائله. فالتربية كلمات، والإرشاد توعية، والرسالات السماوية نفسها حكمٌ ومواعظ، وإن لم تُطبَّق في كل زمان ومكان، وهي – أي الرسالات – الحقيقة التي لا تصل إليها حقيقة بشرية أخرى، نعم، ليست كل الحقائق الإنسانية عادلة، بل إن الشعارات في كثير من الأحيان هي ما يُبقي الإنسان واقفًا في وجه الانكسار، هي خارطة الحلم في زمن الانهيار، وهي البوصلة التي تشير إلى ما ينبغي أن يكون، لا ما هو كائن.

الشعارات قد لا تكون الحقيقة، لكنها قد تكون الأمل، أو الطموح الذي يُضيء الطريق نحوها , الفرق بين الواعين وغيرهم، أن الواعين يدركون الفارق بين التمنّي والعمل، بين الحلم والواقع، ويعلمون أن كل حقيقة كبرى بدأت يومًا بشعارٍ صادق، تَبنّاه أصحاب عزيمة لا تُهزم.


 

السبت، 12 يوليو 2025

نقد منهجي للرواية الحديثية في المدرسة السنية

الشيخ عادل الزركاني

في هذا البحث المختصر، نسعى إلى تقديم قراءة نقدية منهجية للرواية الحديثية في المدرسة السنية، وذلك من خلال تفكيكها على عدّة مستويات: تاريخية، وروائية، ومنهجية، وبمقاربة موضوعية تسعى للإنصاف، لا للطعن ولا التسقيط، بل للفهم والتقييم على أسس معرفية ومنهجية. كما سنقارن ذلك بمنهج أهل البيت (عليهم السلام) في التعامل مع الرواية، من حيث مصادر التلقّي، وآليات التوثيق، ومعايير القَبول والرد.

أولًا: هل الأحاديث السنية ذات أسانيد متصلة إلى النبي (ص)؟ من حيث المنهج الظاهري، نعم، فإن غالبية الأحاديث في الصحاح السنية (كالبخاري ومسلم) تُروى بأسانيد تُعتبر متصلة إلى النبي (ص). غير أن هذا الاتصال لا يكفي لإثبات الصحة الواقعية؛ إذ إنّ صحة السند ليست مساوية لصحة المضمون والمتن , فثمة عوامل مؤثرة لا يمكن تجاوزها، منها: عدالة الرواة، وهي محل جدل واسع، خاصة لدى من ارتبطوا ببلاط السلطة الأموية أو ممن عُرفوا ببغضهم لأهل البيت (عليهم السلام) سلامة المتن من الشذوذ أو مخالفته للقرآن أو السنة الثابتة , الظروف السياسية التي أحاطت بالرواية ونقلت عبرها.

ثانيًا: كتابة الحديث والمنع المبكر : ثبت تاريخيًا ـ وبالاعتماد على روايات صحيحة عند أهل السنة أنفسهم ـ أن النبي (ص) نهى عن كتابة الحديث في بداية الإسلام، فقد ورد في صحيح مسلم: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه", واستمر هذا المنع في عهد الخليفتين الأول والثاني، خوفًا – كما يُقال – من اختلاط الحديث بالقرآن، أو ربما لأسباب سياسية تتعلق بتضخم النصوص المعارضة. ولم يُرفع هذا الحظر إلا في عهد عمر بن عبد العزيز (توفي 101هـ) الذي أمر بتدوين الحديث خشية ضياعه , لكن الفترة الواقعة بين وفاة النبي (ص) سنة 11 هـ، إلى بداية القرن الثاني الهجري، شهدت فراغًا حديثيًا كبيرًا، كانت الرواية خلالها شفهية، وهي بطبيعتها عرضة: للنسيان، والتحريف، والتسييس، والوضع المقصود لخدمة أغراض معينة , لقد اعتمد المحدثون على روايات منقولة شفاهة مثل روايات أبي هريرة، الذي رُوي عنه آلاف الأحاديث رغم أنه لم يصحب النبي (ص) إلا قرابة ثلاث سنوات، فكيف له أن يروي ما يناهز ستة آلاف حديث؟ بل أكثر من مجموع ما روي عن الخلفاء الأربعة مجتمعين؟ هذا يطرح تساؤلًا جديًا عن منهجية النقل والضبط , ونجد أن بعض الروايات صُنعت لدواعٍ دعائية؛ كما في الرواية التي تنسب إلى النبي (ص) أنه قال: "من أكل بصل عكة زار مكة". من المعلوم أن هذه الرواية رُتّبت ترويجًا لبائع بصل، كما يفعل بعض مشاهير اليوم في الإعلان لمنتجٍ رديء! , فلو أمعنا النظر بموضوعية، بعيدًا عن المذهبية، وطبقنا منهج النقد العلمي والرجالي، لتبيّن أن كثيرًا من الأحاديث الواردة في الصحاح تعاني إشكالات منهجية. فمثلًا، البخاري انتقى 7275 حديثًا من أصل 600,000 حديث، فأين ذهبت بقية هذه الأحاديث؟ ومن كتبها؟ ومن قال بأن ما اختاره البخاري هو وحده الصحيح سندًا ومتنًا؟ , الفجوة الزمنية بين النبي (ص) وتدوين الحديث الرسمي تتجاوز 90 سنة، أي أن التواتر المزعوم هو تواتر انقطاعي، وإذا كان عمر الراوي يجب أن يمتد قرابة 150 سنة ليعاصر هذا التسلسل، فإن ذلك غير منطقي، بل ولا واقعي، خاصة مع ضعف الذاكرة البشري، واحتمال النسيان، أو الدخول في مراحل الخرف والزهايمر في الكِبَر!

ثالثًا: هل لعبت الدولة الأموية دورًا في صناعة الحديث؟ نعم، وبلا شك تاريخي، فإن السلطة الأموية مارست توجيهًا ممنهجًا لصناعة الحديث، من خلال: تشجيع وضع فضائل للخلفاء الثلاثة الأوائل، وخصوصًا أبي بكر وعمر، ولو على حساب الحقيقة التاريخية , معاوية بن أبي سفيان أمر بوضع فضائل لعثمان، في مقابل التحريض على الإمام علي (ع)، كما أشار ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة , استُخدم رواة مثل: سمرة بن جندب، ومروان بن الحكم، وكعب الأحبار (الذي أدخل الإسرائيليات إلى التراث الإسلامي)، رغم أنهم معروفون بوضع الحديث , هذا التسييس أفرز روايات تخدم المشروع السياسي، وتشوّه صورة أهل البيت (ع)، أو تُعلي من شأن خصومهم التاريخيين.

رابعًا: التحيّز المذهبي في قبول الرواة: من الملاحظ أن المدرسة السنية غالبًا ما تُجرّح الرواة الشيعة، خاصة إذا أبدوا ولاءً واضحًا لأهل البيت (ع)، فيُتّهمون بالرفض والغلو، ويُضعّفون تلقائيًا، كما حصل مع: زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم ,وأبو بصير وهم من كبار الرواة في مدرسة أهل البيت (ع). في المقابل، تم توثيق رواة نصّابين أو نواصب مثل: عكرمة مولى ابن عباس وعمران بن حطان (مادح قاتل الإمام علي!) سمرة بن جندب، الذي وضع رواية أن آية: "ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا..." نزلت في علي (ع)! , هذه الأمثلة توضح أن منهج الجرح والتعديل عند بعضهم كان مسيّسًا ومتحيّزًا، مما أثر على مصداقية البناء السندي الظاهري.

خامسًا: النتائج والخلاصة: نعم، السند الظاهري المتصل موجود، لكنه لا يكفي وحده للحكم على صحة الرواية , المنع المبكر من التدوين ولّد فراغًا سمح بالتلاعب والوضع , والدولة الأموية لعبت دورًا حاسمًا في توجيه الرواية وفلترة الموالين لأهل البيت (ع) , والتحيّز المذهبي والسياسي أثّر بوضوح في اعتماد الرواة وتصنيفهم , منهج أهل البيت (عليهم السلام) في الرواية يعتمد على النقل المتسلسل المعنعن عن إمامٍ عن إمام، ضمن دائرة العصمة والمعرفة الإلهية، مع عرض كل رواية على القرآن الكريم، فما خالفه يُطرح، وهذه قاعدة منهجية أصيلة , وبالتالي، فإن القول بأن ما في الصحاح السنية قطعي الثبوت والدلالة غير دقيق، بل هو مخالف للعقل والمنطق والتاريخ، بينما تحفظ مدرسة أهل البيت (ع) للحديث توازنًا معرفيًا وروحيًا، يقوم على الثقة بالإمام المعصوم كميزان للصدق والدين، لا على الظواهر الشكلية للسند فحسب....


الجمعة، 11 يوليو 2025

 

فلسفة الاصطفاء الإلهي ومعنى الإمامة والنبوة..

بقلم: الشيخ عادل الزركاني

في هذا البحث المقتضب، نحن أمام مسألة إيمانية وعقلية محورية، تفتح لنا أبوابًا لفهم الحق وأهله، وتمنحنا بصيرة في تمييز من اختارهم الله تعالى لهداية خلقه. فالأنبياء والأئمة (عليهم السلام) لم يُختاروا باجتهاد بشر، ولا بوساطة، ولا بطموحٍ شخصي، بل اصطفاهم الله بحكمة، وبعلمٍ محيط بالعوالم الأولى، وبتقديرٍ سبق الزمن والمكان، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. , الاصطفاء الإلهي: ليس جبريًا بل استحقاقًا , الاصطفاء لا يعني الجبر، بل هو اختيار إلهي لمن بلغوا أعلى درجات القابلية والاستعداد الروحي والأخلاقي. إنهم أصحاب النفوس الطاهرة، والعقول الناضجة، والطينة الصافية. ولذلك فهم معصومون، لا لامتياز عشوائي، بل لأنهم أهل لتحمّل التكليف الرسالي العظيم , الإنسان والمصلحة.. والأنبياء والرسالة , الناس بطبيعتهم تحركهم المصالح: الزواج مصلحة، العلاقات الاجتماعية مصلحة، الحكم مصلحة. أما الأنبياء والأئمة، فتحركهم الرسالة، لا المصلحة , وتاريخ الملوك والسلاطين يشهد أن غايتهم المال والتوريث والسلطة والنساء، حتى وصل الأمر إلى قتل الأخ لأجل الكرسي، أو السبي والنهب باسم الدين. وقد مارس كثير من الحكّام، حتى من لبس عباءة الإسلام، أبشع صور التوحش تحت راية "الفتوحات": من سبي النساء إلى قتل الأبرياء، إلى اختطاف الأطفال، وخصي الصغار ليكونوا خدماً في قصور "الخلفاء" , أيّ شرف هذا؟! وأيّ عفّة يدّعيها من ينتهك أعراض الخلق باسم الدين؟! , وهذه الغزوات باسم الدين.. وهي تزييف للعقيدة ,الله لم يرسل الأنبياء للقتل والسبي، بل للإصلاح. وهو تعالى لم يعاقب الأمم لعدم عبادته، بل لطغيانهم وفسادهم , فكيف يكون منطق السماء: "اقتل لتعبدني"؟! , ولو كانت الفتوحات التي افتخر بها حكّام المسلمين تمثل الدين، لكان الأئمة (عليهم السلام) أول المشاركين. ولكنهم لم يشاركوا في غزوة واحدة، ولم يؤيدوا أي حاكم متسلط. وما يُروى خلاف ذلك إما موضوع أو محرّف يخالف العقل والقرآن , وأكذوبة الفتح الإسلامي ما يُسمّى بالفتح الإسلامي، والذي يتغنى به كثير من المسلمين ــ خاصة الوهابية ــ ليس إلا كذبة كبرى , وهذه العقيدة التي رُسخت في عقول السذّج، أصبحت "مقدسة"، لا يُسمح بمناقشتها. لكن كيف يُعقل أن يُنشر الإسلام بالسيف: إما أن تُقتل، أو تؤمن؟! الإيمان بالخوف لا يختلف عن الإلحاد , الحقيقة أن من كتبوا ذلك التاريخ، مارسوا الطمس والإخفاء، وادّعوا أنهم جاءوا محررين، ناشرين لدين التسامح. لكن الوقائع والمصادر تكشف عكس ذلك تمامًا: لا فقهاء، لا دعوة، لا تواصل حضاري، بل قتل وسبي ونهب فقط , والوجه الحقيقي لبعض الفاتحين وهو صورة لا تختلف عن الباقي من نوعه وقادة مثل عقبة بن نافع، لم يكونوا دعاة، بل غزاة سفّاحين. ويكفي ما ورد في "الكامل في التاريخ" لابن الأثير عن غزو الأمازيغ:"وقتل المسلمون فيهم حتى مَلّوا!"، أي تعبوا من كثرة القتل! , كيف نُصدّق أنهم دعاة وقد قتلوا أبناء بنت نبيهم (ص) ورفعوا رؤوسهم على الرماح؟! وسَبوا نساء آل البيت (ع)؟! , السيطرة العرقية تحت غطاء الإسلام , عقبة بن نافع، كما ذكر المؤرخ أبو عبد الحكم، قال لملك ودّان: "فعلت بك هذا أدبًا لك، وإذا مسست أذنك تذكرته، فلم تحارب العرب؟" , ولم يقل "المسلمين"، ما يدل على أن الهدف لم يكن دينيًا، بل عرقيًا: تمكين العرب من السيطرة على الشعوب , هذا النهج استمر حتى الدولة العثمانية التي نصّبت الأتراك على الشعوب، بما فيها العرب، رغم دخولهم الإسلام , منطق الانتقام لا الدعوة , بعد مقتل عقبة، جاء زهير بن قيس ينتقم، لا يفتح، فقتل المئات من الأمازيغ , وهكذا تحوّلت الغزوات من استعمار إلى ثأر، إلى إبادة جماعية , ويكفي ما ذكره ابن كثير عن موسى بن نصير: سبى من الأندلس ومن غيرها خلقًا كثيرًا، ومن الذهب والجواهر ما لا يُعد، وسبى من الغلمان الحسان والنساء الحسان شيئًا كثيرًا، حتى قيل إنه لم يُسلب أحد مثله! , بل إن خمس السبي بلغ أربعين ألف رأس، فأرسلها إلى الخليفة! والمقارنة مع الجرائم الحديثة هذه الجرائم لا تقلّ وحشية عن جرائم النازية، أو الاستعمار الأوروبي، بل في بعض الجوانب تفوقها، لأن هذه تمّت باسم "الإسلام"! والأسوأ من ذلك: أنها ما تزال تُمجّد، وتُدرّس، وتُلبس لبوس "الفتوحات الإسلامية العظيمة"! النموذج المعاكس: أهل البيت (عليهم السلام) قال الإمام علي (ع): "وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق." , النبي الأكرم (ص) لم يفرض دعوته بالسيف، بل بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمنطق، لا بالإكراه والقهر , الحكم عند المعصومين: تكليف لا تشريف , وقليل من الأنبياء حكموا: داود، سليمان، يوسف. , والنبي محمد (ص) أقام الدولة الإسلامية لتثبيت الدين، لا من أجل السلطة , أما الإمام علي (ع) فحين غُصِب حقه، قال وهو يخصف نعله: "والله لهي أحب إليّ من إمرتكم، إلا أن أقيم حقًا أو أدفع باطلاً." وكان يأكل من طعام بسيط، ويحمله مختومًا. أما حروبه، فكانت دفاعية لا سلطوية , والإمام الحسن (ع) صالح معاوية حفظًا للدماء. فهل معاوية أصلح من الحسن؟ , والإمام الحسين (ع) خرج حين بلغ الانحراف ذروته، نهض بأمر من الله، ومعه النساء والأطفال، فهل هذا فعل طالب ملك؟! بعد كربلاء.. الخط الرسالي مستمر , ولم يحكم أي إمام بعد الحسين (ع). بل سُجنوا، وقُتلوا، لكنهم ثبّتوا العقيدة، وأعدّوا الأمة لظهور الإمام المهدي (عج) والمهدي (عج) فكرة موجودة في كل الأديان، لكن يختلف المسلمون حول ولادته. من يطعن فيها، إما جاهل أو حاقد , أما من يشتم نسبه أو عرضه، فقد انحدر إلى درك الجهل والحقارة... النتيجة صراع كرسي لا رسالة , ما نُقل من إنجازات وفتوحات كبرى في التاريخ الإسلامي لم يكن لله، بل للكرسي , الأمويون قتلوا واستبدوا باسم الإسلام , العباسيون قتلوا بني أمية وساروا على نهجهم , العثمانيون وسّعوا سلطانهم بالسيف وغطوه بلباس الخلافة , فتوحاتهم لم تكن رسالية، بل لا تختلف عن فتوحات التتار، سوى أنها كانت أكثر خداعًا باسم الدين...الإمامة والنبوة.. تكليف إلهي لا منصب دنيوي والنبوة والإمامة ليستا سلطة، بل مسؤولية سماوية. أصحابها معصومون، زاهدون، مخلصون، لا يحركهم إلا رضا الله , هم حكّام الآخرة، لا حكّام القصور، وهذا ما لا يفهمه أعداء أهل البيت، ولا من عبدوا الكرسي.


اعتزاز حسن... حين انتصر الإنسان على الموت دعنا من ضجيج الخلافات الفقهية، ومن معارك الكلمات التي استهلكت القرون؛ هذا يسب، وذاك يرد، وهذا يؤ...