الخميس، 1 يناير 2026

 

محاولة غتيال الملعون عدي صدام حسين عام 1996م

حين تُروى الحقيقة من أفواه أهلها

في أحد مجالسنا العشائرية، حضر إلينا رجلٌ غريبٌ بمقامه، قريبٌ بنسبه، بعيدٌ بغربته, هو ابن عمٍّ لنا من آل زركان، طبيبٌ عُرف بعلمه ومكانته، غادر العراق منذ ثمانينيات القرن الماضي، واستقر في دولةٍ أخرى، حتى بلغ هناك منصب وكيل وزارة الصحة , ومع ما منحه الاغتراب من أمانٍ واستقرار، ظل قلبه معلّقًا بالعراق وأهله , طلب الرجل لقاء عددٍ من أبناء عشيرته، فكان الموعد في مضيف الشيخ مهدي آل مناحي – رحمه الله – حيث اجتمع الرجال. وكان بين الحضور رجلٌ يعرفه القريب والبعيد، لكنه آثر الصمت طويلًا: الأستاذ سلمان شريف دفّار الزركاني , قال الطبيب بهدوءٍ لا يخلو من شوق: «أريد أن أسمع القصة كاملة لمحاولة اغتيال عدي صدام… كما جرت، لا كما تناقلتها الألسن» , فقد كثرت الروايات حول حادثة عام 1996، وتضاربت التحليلات حتى تحولت الحقيقة عند البعض إلى خيالٍ سياسي: قيل إنها محاولة انقلاب، وقيل إن جهاتٍ متعددة تبنّتها، وقيل – وهو الأغرب – إن صدام نفسه دبّر إصابة ولده، في سيناريو أمني مفبرك , وهنا لا بد من التوقف قليلًا: أيُعقل أن رجلاً قتل رفاقه، وأعدم أقرب المقرّبين إليه، وعاث في البلاد قمعًا، يعجز عن سجن ابنه أو قتله إن أراد؟ , إن مثل هذا القول لا يستند إلى دليل، بل إلى صورةٍ وهمية صنعتها رهبة النظام في أذهان من لم يقتربوا من الحقيقة , أما الحقيقة، كما رُويت من قائد المجموعة نفسه، فكانت واضحة، دقيقة، خالية من الادعاء , بداية التخطيط , بدأ الإعداد للعملية مطلع عام 1996، عبر مقري جعفر الطيار و15 شعبان لمجاهدي الأهوار، في منطقة زورة آل جويبر، التابعة لهور الحمار قبل تجفيفه , وأشرف على التخطيط القائدان الميدانيان: رزاق ياسر مظهر الغالبي (سيد حمزة) جبار قاسم دعبل الحچامي (أبو رياض البنّا) وكان حلقة الوصل مع بغداد المجاهد أبو زهراء الشطري , أما التنفيذ، فتولّته مجموعة صغيرة من الشباب، آمنت أن مقاومة الطغيان واجب، مهما كان الثمن , قاد المجموعة الشاب سلمان شريف دفّار الزركاني، وكان في السابعة والعشرين من عمره، وشارك معه: مؤيد راضي حسين الچروخي السراجي (أبو صادق) – المنفذ الرئيس لإطلاق النار , عبد الحسين جليد عاشور (أبو سجاد) – للإسناد وتأمين الانسحاب , وتحسين مجيد عبد مكتوب (أبو زهراء) سائق السيارة ومسؤول النقل , الاستطلاع والتنفيذ , سبقت التنفيذَ أشهرٌ من الرصد والمتابعة , استأجر الشهيد تحسين دارًا في مدينة الصدر (قطاع 45)، وكان ينقل المجموعة كل ليلة خميس إلى حي المنصور، بعد أن تبيّن لهم أن عدي صدام لا يظهر هناك إلا في هذا التوقيت , ويقول سلمان شريف: «انتظرنا أسابيع. وفي مرةٍ اقترح الإخوة إلغاء العملية خوفًا من انكشافها، لكنني طلبت فرصة أخيرة» , وفي مساء الخميس المنتظر، عند الساعة السابعة تقريبًا، ظهر عدي صدام يقود سيارة بورش ذهبية اللون، دون حماية مباشرة. توقف فجأة في الشارع، ويبدو أنه نزل لاستدراج فتاة. وعند وصوله إلى النقطة المحددة، أُعطي الأمر : «أطلقنا عليه قرابة خمسين رصاصة… كنا نعلم أن فرصة نجاتنا لا تتجاوز واحدًا في المئة»,

أُصيبت السيارة إصابات مباشرة، وتبيّن لاحقًا أن عدي أُصيب 17 إصابة، أدّت إلى شللٍ دائم وعجزٍ جسدي معروف , لم تستغرق العملية أكثر من دقيقة. انسحبت المجموعة بهدوء، دون مطاردة أو اشتباك، ثم غادرت بغداد باتجاه الجنوب، وعادت إلى الأهوار  , آثرت المجموعة الصمت، لا خوفًا، بل لسببين: إرباك النظام ليظن أن الضربة جاءت من داخله , حماية عوائلهم داخل العراق , لكن ما لم يكن في الحسبان وقع لاحقًا , فقد أُلقي القبض على أحد أفراد المجموعة في الأردن، في قضيةٍ لا صلة لها بالعملية، وسُلّم إلى الأجهزة الأمنية العراقية، واعترف – تحت التعذيب – ببعض التفاصيل , ومن هنا بدأ الانتقام الحقيقي , المجزرة ,كان انتقام النظام وحشيًا: أُعدم والد سلمان شريف وإخوته السبعة , وأُعدم والد المنفذ مؤيد راضي وثلاثة من إخوته , وأُعدم والد عبد الحسين جليد , هُدمت منازل العوائل، وصودرت ممتلكاتهم , وفي مشهدٍ لا يُنسى، دخلت سيارات تحمل جثامين الشهداء إلى مدينة الشطرة، ترافقها أجهزة الحزب والجرافات , وُضعت الجثامين، ثم صدر الأمر: الهدم… بلا بناء , هُدمت الدار، وأُلقي الأثاث والطابوق في شط الغراف , لم ينجُ من تلك العائلة إلا الأستاذ سلمان شريف , لهذا، حين يخرج اليوم من يستخفّ بهذه القضية، أو يردّها إلى رواياتٍ واهية، نقول بهدوء: نحن أهل القصة، ولسنا ناقلين عن ظنون، ولا معتمدين على مقالات , نحن نعرف التفاصيل… ونعرف الثمن , ومن أراد الحقيقة، فليُعمل عقله قبل لسانه، فالتاريخ لا يُكتب بالخوف، ولا تُفهم الوقائع بالخيال.





الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

الحوزة العلمية بين الافتراء والتاريخ الحي..

بقلم : الشيخ عادل الزركاني

وأنا أراجع ملفات التاريخ، وأتأمّل فيما قيل وكُتب عن العلماء والحوزة العلمية، تتكشف أمامي حقيقة تكاد تكون ثابتة: أن كثيرًا من تلك الكتابات، بل أغلبها، لم تصدر عن قراءة علمية نزيهة، ولا عن نقدٍ منهجي مسؤول، وإنما عن مواقف شخصية، ونقصٍ أخلاقي، وأزماتٍ نفسية أُسقِطت على مؤسسةٍ كان ينبغي أن تبقى فوق الأهواء والصراعات الفردية. فالحوزة العلمية ليست بناءَ شخص، ولا مشروعَ جيلٍ عابر، ولا ثمرةَ مزاجٍ فكريٍّ محدود، بل هي مؤسسة تشكّلت عبر قرون، وأُسِّست على يد أهل البيت عليهم السلام، وسُقيت بدماءٍ طاهرة لعلماء أفذاذ، حملوا العلم والتكليف في أحلك الظروف، وواجهوا حكومات الجور وسلاطين الانحراف والتجهيل بثباتٍ وصبرٍ وتضحية, ومن هنا، فإن ما يُقدَّم أحيانًا تحت عناوين مثيرة من قبيل «الدهاليز المظلمة» وغيرها، ليس كشفًا للحقيقة بقدر ما هو انعكاسٌ لظلام نفس كاتبها، وتدنّي أخلاقه. وهو أمرٌ معروف في الوسط الحوزوي؛ إذ تحكم بعض هذه الأقلام شهوةُ المال، فيتحوّل صاحبها إلى عابدٍ للدينار، يبيع القيم لأجله، ولا يتورّع عن النيل حتى من أقرب الناس إليه، أخيه قبل غيره، حسدًا وحقدًا , ومهما بلغ الخلاف بين الإخوة، فإن الانحدار الأخلاقي إلى هذا المستوى لا يمكن تبريره بخلافٍ فكري أو اجتهادي , وهناك آخرون لا يختلف حالهم كثيرًا: فمنهم من فشل في الحوزة، ومنهم من انزعج من مجموعةٍ كان معها بسبب سلوكٍ ما، ومنهم من لا يستطيع الالتزام بالشرع ولا بأخلاق الحوزة، فيريد أن يكون كما يشتهي، فيقترب شكلًا من النساء، ومنطقًا من المتفلسفين، وفكرًا من الملحدين. وكان الأجدر بهؤلاء أن يذهبوا إلى حيث يريدون، لا أن يحملوا الحوزة مسؤولية فشلهم، ولا أن يبرّروا تدنّي مستواهم باسم الدين والمؤسسة , إن هذه الأسماء، وهذه العناوين، وهذه الكلمات، ستبقى لا بما تدّعيه، بل بما تمثّله شاهدةً على أصحابها يوم القيامة، حين لا تنفع الشعارات، ولا الأقلام المأجورة، ويكون الإنسان في ظلمات القبر مع ما قدّمه بيده ولسانه , لقد مضت على الحوزة العلمية أكثر من ألف سنة، وهي تزخر برواياتٍ ومواقفَ وتضحياتٍ لا تُحصى ولا تُعد. وتشهد صفحات التاريخ بأن العلماء رغم اختلاف مدارسهم وتنوّع اجتهاداتهم شكّلوا حزام أمانٍ للأمة، وحافظوا على كيان المذهب من الذوبان والاندثار. ولولا هذه الجهود المتراكمة، لما بقي للمذهب أثرٌ ولا حضور , وهذا المسار ليس استثناءً في التاريخ؛ فقد مرّ المذهب بابتلاءاتٍ أعظم، وواجه شخصياتٍ أخطر، كالشلمغاني، والنميري، والهلالي، والبلالي، وأبي دلف الكاتب، والحسين بن منصور الحلّاج، وأحمد الكاتب، وأمثالهم إلى يومنا الحاضر. ومع ذلك، لم يتوقف المذهب، ولم تتشوّه صورته إلا في عقولٍ مريضةٍ أصلًا. أما هو في جوهره، فقد بقي نقيًا، محفوظًا بعناية الله، وبجهود العلماء الصادقين , إن هذه الكتب والكتابات لم تضف معرفة، ولم تُصحّح مسارًا، بل زادت الإسفاف إسفافًا، والركام ركامًا، بما تحمله من لغةٍ هابطة، ونوايا مريضة، وتعميمٍ ظالم لا يمتّ إلى المنهج العلمي بصلة , فهل من العقل أو الإنصاف أن نرفض تاريخًا كاملًا من العلماء، كانت الأخلاق جزءًا من ذواتهم، والتواضع سمتهم، والزهد عنوانهم، ثم نسلّم عقولنا لكاتبٍ أو قائلٍ لا يعكس كلامه إلا ذاته، ولا يفضح إلا ما فيه؟ , إن النظرة الموضوعية تكشف بوضوح أن كثيرًا مما يُقال عن الحوزة والعلماء ليس وصفًا لهم، بل تشخيصٌ صادقٌ لحالة القائل نفسه؛ فالكلمة، في نهاية المطاف، مرآة صاحبها، وما يخرج من الإنسان إنما يعبّر عنه قبل أن يعبّر عن غيره. 




الاثنين، 24 نوفمبر 2025

 

قصة السيد محسن الحكيم بين قداسة المرجعية وزيف الاتهامات..
الكلمة أمانة، والصورة أمانة، ومن الخطأ الكبير أن تُستغلّ رموز الدين والعلم والصلاح لتشويه الحقيقة أو لصنع معارك
وهمية. وللأسف نرى في بعض الصفحات مَن يضع صورة المرجع الكبير السيد محسن الحكيم ، ويكتب تحتها كلاماً لا يليق بمرجعيةٍ اجتمع على تقليدها العراقيّون وسائر البلدان الإسلامية، وهو مقام لم يحظَ به غيره في تاريخ المرجعية الحديث , فقد كان عالماً زاهداً متواضعاً، لا يردّ سائلاً ولا يمنع أحداً من لقائه مهما كان صغيراً أو كبيراً. وفي أواخر أيامه، اضطرّ إلى تنظيم دخول الزائرين لكثرتهم، فحصل أن منع الموظف الجديد شقيق السيد الأكبر لعدم معرفته به، فدخل عليه قائلاً بصوتٍ هادئ مستغرب: «شنو الموضوع سيد محسن؟ تمنعني من الدخول عليك؟» فاعتذر السيد إليه بكل احترام، وأمر ألّا يُمنع أحد من الناس، بل يُستقبلوا ويُكرموا جميعاً , لم يكن للسيد الحكيم تاريخ يُستغل ضد الدين، بل كانت مواقفه كلها دفاعاً عن الإيمان والهوية. دافع عن الأكراد وهم ليسوا من قوميته ولا منطقته ولا مذهبه، وحَرَّم قتالهم، وقد كانت فتوى قتالهم صادرة من جهة أخرى تنتمي إلى مذهبهم نفسه. وقد تعرّض السيد فيما بعد للأذى المعنوي والمادي بسبب موقفه هذا، لأن البعث كان يحارب الأكراد، فجاء بعض المتناقضين اليوم ليقولوا: إن فتواه كانت في صالح البعث! وهذا من قلب الحقائق. فالإيمان إيمان، والإلحاد إلحاد، مهما اختلفت الانتماءات , ومن مواقفه المشهورة أنه حين سُئل عن الشيوعية قال كلمته الشهيرة في 20 شباط 1960: «الشيوعية كفرٌ وإلحاد» وهي كلمة تنسجم مع واقع فكرهم ومبادئهم التي أعلنها قادتهم، حيث يعتبرون الدين أفيون الشعوب، ويحلّلون المحرّمات، ويفتحون باب الانحلال بكل أشكاله... وهذه الفتوى لم تكن منفردة، بل كانت هناك فتاوى مماثلة من كبار مراجع الأمة: السيد أبو القاسم الخوئي والسيد عبد الهادي الشيرازي , والشيخ عبد الكريم الجزائري وغيرهم من أعلام الطائفة، وقد قال الشيخ الجزائري: «الشيوعية هدمٌ للدين وكفرٌ وضلال، فلا يجوز الانتماء لها بوجه من الوجوه، كفى الله المسلمين شرّها».
فالمرجعية لا تستهدف حزباً ولا تخدم أجندة سياسية، بل تحفظ العقيدة وتواجه الفكر الإلحادي أينما كان. وقد وقفت من البعث موقفاً مبدئياً أيضاً، لأن المرجعية فوق جميع الأحزاب، ترشد ولا تُرشد، وتقود ولا تُقاد. لكن الخصوم ـ جهلاً أو حقداً أو حسداً ـ حاولوا استغلال تلك الفتوى للطعن بالمرجعية وآل الحكيم، يعيدون قصة باهتة كلما أعوزتهم الحجّة. ويروي أحد الملتصقين بالواقع آنذاك، وهو خال يُدعى «أبو .. »، أن سائلاً قال له:– أحقاً أن الشيوعية كفر وإلحاد؟
فابتسم وقال: قبل أن أجيب عن سؤالك هذا، سأطرح عليك سؤالاً يكون جوابه مفتاحاً لموضوعنا: ما رأيك لو سمعتَ شخصاً يقول إنّ الشيوعيين لصوصٌ، ومرتشون، وفاسدون، وإنّ قادتهم يقبعون خلف قضبان النزاهة في السجون العراقية؟
قال نعم، لأنهم بلا مناصبٍ علياٍ والسرقة والرشوة نوع من الفساد لا كله يا خال ؟ والذين يحلّلون كل محرَّم، ويُبيحون الخمر، ويروّجون لشعاراتٍ منحطّة مثل: «بعد شهر ماكو مهر… والقاضي نذبه بالنهر»، ويعدّون العفّة والحجاب والدين مجرّد أوهام، كما قال رمزهم الإلحادي «كارل ماركس»: «الدين أفيون الشعوب». هل هؤلاء شرفاء ولديهم نزاهة , فالسرقة لا تختلف عن التدهور الأخلاقي والانحلال؛ والتي كلها في ميزانهم مباحة، لأنها لا تقوم على إيمانٍ ولا على منظومة قيمٍ سماوية ، ويصف الدين بأنه مخدّر للعقول… هل هو مؤمن أم كافر؟
والحرامي حرامي الدين ليس له علاقة به كما الملحد لا علاقة له به الانحراف الأخلاقي والدين الأول افضل من الثاني محابة الاخلاق , فأين الحياء؟ أين حدود الله؟ وهل يُجمع الإيمان مع فكر ماركس الإلحادي؟وهكذا شهد أصحاب الفكر على أنفسهم قبل شهادة العلماء عليهم... ومن نتائج تلك المواجهة الفكرية أن شاعراً شيوعياً كان يكتب قصائد للرواديد الحسينيين، ادّعى المحبة لأهل البيت (ع)، فلما صدرت فتوى السيد الحكيم انكشف ما يخفيه قلبه، وكتب قصيدته المسيئة مخاطباً السيد: «يا آية الله شلون آية… وتعتز بحدَيِد وبعبّاية» فدلّت ألفاظه على حقيقته، وأن ما كان يظهره للدين مجرد قناع يخفي إلحاداً وعداءً. واليوم، وبعد مرور العقود، لا تزال المرجعية العليا في النجف الأشرف ممثلةً بالسيد السيستاني (دام ظله) وسائر المراجع تُجلّ السيد الحكيم، وتعدّه رمز المرجعية العليا ونهجها الأصيل في حماية الدين والمجتمع.
وفي المقابل، ما يزال أعداء الحق والجهلة يرددون الشبهات القديمة لمحاولة تشويه التاريخ الناصع للطائفة ولدور آل الحكيم في خدمة الأمة. فهل نصدّق أهل العلم والورع الذين يحملون إرثاً من نور؟أم نتّبع كلمات من لا دين لهم ولا خُلق؟!
إن التاريخ ينطق بأن السيد الحكيم بقي لله، فبقي الله له الذكر الحسن.
خلّد اسمه في ضمائر المؤمنين، وسيظلّ رمزاً للدفاع عن العقيدة ضد كل فكر منحرف.. وسيظلّ صوت الحق أعلى: المرجعية كانت وستبقى صمّام أمان هذه الأمة , لا تركع لسلطة، ولا تتلوّن بلون حزب، بل تقف دائماً مع الله… والله مع الصادقين.


الأربعاء، 10 سبتمبر 2025

 

صناعة الذات..

الإنسان أشبه بكرَةٍ تتدحرج في ساحة الدنيا نحو الهدف الأسمى، غير أنّ هذه الساحة ليست مستوية، بل مليئة بالمنعطفات والمطبات. فقد تنحدر الكرة أحيانًا إلى مياه آسنة تكاد تغرقها، وأحيانًا أخرى تمرّ بمياه عذبة تمنحها حياة جديدة. وقد تصمد وتتجاوز المحنة لتنطلق من جديد، أو قد تستسلم فتتلاعب بها الرياح حتى ينتهي بها المطاف بين أقدام الزمان مطروحة في أقرب مزبلة، لكن الفارق الجوهري يكمن في أن هذه الكرة لو كانت تُفكّر في التكامل لأجل الوصول، لبلغت الهدف، وكانت النتيجة فوزًا ونجاحًا. أمّا إذا تركت نفسها للريح، فإنها تهلك قبل بلوغ الغاية. وهكذا هو الإنسان؛ يحمل في أعماقه رغبة صادقة في أن يصنع ذاته ويحقّق معنى وجوده، غير أنّ هذه الصناعة ليست عبثًا ولا تقوم على الهوى، بل على ما رسمه الله تعالى لعباده من طريق الهداية والتكامل.

إنّ بناء النفس هو أوّل خطوات صناعة الذات، وهو أصعبها في الوقت نفسه؛ لأنّ الإنسان قد يغلب غيره، لكن أعظم نصر يحققه هو أن يغلب نفسه وشهواتها، وأن يُلزمها بطاعة الله. وقد قال أمير المؤمنين (ع) «أفضل الجهاد جهاد النفس عن الهوى»، وفي هذا المعنى إشارة واضحة إلى أن صناعة الذات تبدأ من الداخل، من تهذيب الروح وتقويم السلوك.

ومن يضع أمامه رضا الله غاية، يجد أنّ حياته كلّها تتحوّل إلى مدرسة للتزكية والارتقاء. فالصبر صناعة، والصدق صناعة، والعمل الصالح صناعة، وكلّها أدوات لبناء الذات وفق المنهج الإلهي، إننا نعيش ما تبقّى من أعمارنا في رحلة امتحان، نرجو أن نختمها برضوان الله. لذا كان دعاؤنا الدائم: اللهم وفقنا لصناعة ذواتنا بما يرضيك، واهدنا سبيلك المستقيم.


 صناعة التفاهة والتافهين

الحقيقة أنّ الكثير من الناس صاروا شركاء في نشر التفاهة والتافهين، سواء في الواقع أو في العالم الافتراضي. نرى مطعماً أو مركزاً تجارياً أو متجر ملابس ـ وهو باب رزق شريف بحدّ ذاته ـ لكن الدعاية له تكون بامرأة تافهة شبه عارية، أو بشخص لا قيمة له في ميزان الفكر والأخلاق , والأغرب من ذلك أن نرى إعلاناً لحجاب أو عباءة زينبية تُسوِّق له امرأة سافرة، مشهورة في العالم الافتراضي بمخالفاتها! أيّ تناقض هذا؟! كيف تُعرض شعيرة من شعائر الحشمة والستر بأداة مناقضة لمعناها وجوهرها؟ إنه تدنٍ خطير في الفكر والذوق والأخلاق؛ حيث يُختزل الإعلان في الإثارة بدل القيمة، ويُقدَّم التافهون بوصفهم قدوات، في حين يُغَيَّب أهل الفضل والفكر والرسالة , إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ من وعي الناس، ورفضهم أن يكونوا وقوداً لشهرة التافهين، أو شركاء في الترويج لهم، لأن السوق لا يقوم إلا بالطلب، ولو أدرك الناس خطورة الأمر لأغلقوا أبواب هذه التجارة الرخيصة.


 «لا أنتمي إلى فريق، ولا أحتكم لجماعة، ولا أوطّر نفسي في إطار مذهبي أو تكتل حزبي؛ إنما أسير على نهج محمد وآل محمد، أرجو أن أكون زينًا لهم لا شينًا. ومن رآني بعين التخلف أو بعيدًا عن المدنية والتطور، أو نظر إليَّ بعين أمويّة، فلن يغيّر من حقي شيئًا.»



اعتزاز حسن... حين انتصر الإنسان على الموت دعنا من ضجيج الخلافات الفقهية، ومن معارك الكلمات التي استهلكت القرون؛ هذا يسب، وذاك يرد، وهذا يؤ...