الاثنين، 21 يوليو 2025

 

الشعائر الحسينية... عبادة لا استعراض..

بقلم: عادل الزركاني

المسيرة الحسينية شعيرةٌ من شعائر الله، وهي شكلٌ من أشكال العبادة التي تحمل أبعادًا ومعانيَ عميقة، تتجاوز المظهر إلى الجوهر، وتجمع بين إظهار الحبّ، والاعتزاز بالهوية الدينية، والتعبير عن التضامن والمواساة , إنها ليست مجرّد طقس، بل من الأعمال التي نتقرّب بها إلى الله، كما نتقرب إليه بالصلاة والصيام وسائر العبادات, بل إن العبادات، على اختلاف صورها، إذا فُقِد منها ركنٌ، أو انحرف مسارها، تصبح باطلة أو منقوصة الأثر؛ لأن العبادات مترابطة في غايتها، موحّدة في جوهرها, لقد استُشهد الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل الدين، من أجل الصلاة، من أجل القيم والحرية والعفّة والحجاب والأخلاق، ومن أجل مقاومة الظلم والطغيان, فالشعائر الحسينية ليست طقسًا ينتهي، ولا "شباك غفران" كما في الفكر الكنسي، بل هي جزء حيٌّ من المسيرة التربوية والعقائدية، للمسلمين وغير المسلمين، ومدرسة كبرى حاملة للقيم السامية، معبرة عن الأهداف النبيلة، حافظة لجوهر الإنسان، ومانعة له من الانحدار إلى الجاهلية في ممارساتها وأساليبها , ومن أعظم أهداف الشعائر: تحرير الإنسان من كل استعبادٍ مادّي أو فكري، ليكون عبدًا خالصًا لله وحده، وكسر القيود التي تجرّه إلى الجهل والظلمات , الشعائر ليست مجرّد حركات أو مظاهر، بل هي ترجمة صادقة لأحاسيس الولاء، وهواجس الوجدان الحسيني، تُمارَس بصدق وبنيّة المواساة والعزاء، لا بنيّة الاستعراض أو التصنّع , ومع الأسف، نرى قبل أيام من محرّم مظاهر مخالفة من لباس وألفاظ وانحطاط سلوكي، ثم في محرم أو أثناء المسيرة الأربعينية، نرى ذات الأشخاص يشاركون في توزيع الطعام أو التظاهر بالمشاركة. ومن هؤلاء – وغيرهم – من يسعى للشهرة، أو يقوم بتصرفات صبيانية مثيرة، تخالف الذوق العام، وتبتعد عن الورع والاحترام الذي عُرف به أهل الشعائر. وهي ممارسات إما تشويه متعمد، أو جهل غير مسؤول بهذه المسيرة المباركة , ومن واجب كل محبٍّ وموالٍ للحسين (عليه السلام) أن يحمي هذه الشعائر المقدسة، وألا يُخدع بتبريرات سطحية مثل: "لا تكونوا أنبياء"، أو "كلنا مذنبون"، أو "الله هو يحاسبهم"، فهذه العبارات تُستخدم لتبرير الأخطاء، بينما أصحابها أنفسهم لا يقبلون بمثل هذه الأعذار في مناسباتهم الخاصة، ولا يسمحون – على سبيل المثال – بدخول قارئ قرآن أو امرأة محجبة إلى حفلاتهم الخاصة بدعوى "عدم المناسبة", فكيف يريدون أن يندسّوا في المسيرة الحسينية ليمارسوا ما لا يليق، باسم النية أو الحرية؟! من يدافع عنهم هو منهم، وإن تظاهر بخلاف ذلك، لأنه ينتظر الفرصة للعودة إلى أحضانهم، كما فعل غيره , ولا يصح أن يُغطى على الإساءة باسم النيّات. فنحن لا نحاسب، نعم، لكن لا نقبل الخطأ، ولا نبرّره، ولا نسمح له بأن يشوّه وجه الحسين (عليه السلام) , أيها الحسينيون، أنتم أبناء الحسين، وعزاؤكم فيه أعظم من عزاء الأب أو الأخ أو شيخ العشيرة. فهل ترضون أن تحدث مثل هذه المظاهر في مجلس عزاء أبيكم؟! إن لم تقبلوها هناك، فكيف ترضونها في عزاء سيد الشهداء؟! فبذمّتكم... لا تسمحوا بهذه الممارسات , وجّهوها بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن لم يُجْدِ النصح، فلا تستقبلوا من يُصرّ على التشويه , وكذلك بالنسبة للنساء: فالمرأة غير المحتشمة تُنصح أولًا، فإن التزمت بالحشمة والآداب، فأهلاً بها وسهلاً، وإلا، فإن من تأتي بنية الاستعراض أو التصوير المسيء، لا ينبغي أن تُسمح لها بالدخول، لأن القضية أكبر من مجاملة، وأعظم من مظهر.


 

يعود التاريخ بوجه أكثر قبحًا..

بقلم: عادل الزركاني

لقد تحدث أئمة أهل البيت (ع)، كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، عن أن "الشجرة الملعونة" في القرآن هي آل أمية، وأنهم نهج الشيطان في الأرض، وأعداء الدين، ومحاربو آل محمد (ص)، ورغم وضوح هذا المعنى، رفض البعض هذه الحقيقة، وآثر آخرون أن يطووا صفحة الماضي، قائلين: "نحن أبناء الحاضر لا أبناء التاريخ". لكن الواقع المرير الذي عشناه ونعيشه في سوريا، وقبله العراق – من إرهاب وقتل وسبايا، وبيعٍ للنساء في الأسواق، وتمثيل بالجثث، وقطع للرؤوس، وحرق للأجساد – يعيد إلى الذاكرة سيرة الأمويين بكل وحشيتها، ويذكّرنا بمدرستهم التي أسسها معاوية ويزيد، ومن سار على نهجهم، هذه ليست حوادث عشوائية، بل هي تجلٍّ حيٌّ لفكر التوحش، ولعقيدة الدم، ولسلوك الغزوات والفتوحات التي زُيّنت بشعار "نشر الإسلام"، بينما حقيقتها كانت قتل الأبرياء، ونهب الثروات، واستعباد الشعوب.

فأيّ إسلامٍ هذا؟! أهو إسلام محمد بن عبد الله (ص) الذي بُعث رحمةً للعالمين؟ أم إسلام بني أمية الذي قام على السيف والسلطة والدم والفساد؟، إنّ ما يحدث اليوم في بعض بقاع العالم الإسلامي، ما هو إلا تكرارٌ لتاريخٍ تمّ تجاهله، أو التواطؤ في طمسه، لكنه عاد إلينا بوجهه القبيح، ليكشف أن مدرسة آل أمية لم تمت، وأن فكرهم ما زال حيًّا يُعاد إنتاجه بأسماء مختلفة، وبخطابات مزيّفة، تحت رعاية أجهزة استخباراتية عالمية... العالم المتحضر – كما يزعم – يرى بأمّ عينه هذه الجرائم، لكنه لا يحرك ساكنًا. يتفرجون، وكأنهم يقولون: "اقتُلوا الأقليات، خاصّة تلك التي ليس لها دول كبرى تساندها".، والأدهى من ذلك، أن رأس الإرهاب في الشمال السوري، الجولاني، ينظّم فعالياته تحت حماية دولية مكشوفة، ويُسمح له بالحديث والعمل بحرية، رغم أنه صنيعة تحالف واضح بين جماعات تكفيرية وأجهزة أمريكية. الغرب يعرف ذلك تمامًا، لكن أين شعاراتهم عن "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية"؟! إنها شعارات عوراء، لا تُستخدم إلا لتبرير التدخل في شؤون المسلمين، وابتزاز شعوبهم، وتحطيم من يقف في وجه هيمنتهم، كما تفعل إيران، التي لم تحتل بلدًا، بل دعمت حركات مقاومة ومؤسسات في وجه الصهاينة والتكفيريين، وهو أمر طبيعي ومشروع، كما تفعله الدول الأخرى علنًا وسرًّا، أما من احتلّ البلدان، وأسقط الحكومات، ونهب الثروات، ويأخذ الجزية علنًا من "حلفائه" في الخليج، واصفًا إياهم بـ"البقرة الحلوب"، فهؤلاء لا يعرفون خجلًا ولا كرامة.

ولا حاجة للحديث عن بعض الحكام، فهم بلا شرف ولا مروءة، وأما الغطاء الطائفي الذي يُستخدم اليوم لتبرير الجبن والخيانة، فقد فضح أصحابه، تمامًا كما كشف التاريخ جبن ابن العاص حين أظهر عورته في الميدان، خوفًا من سيف عليٍّ (ع).


السبت، 19 يوليو 2025

 الدين لو الوطن أولى ؟

ليس بين الدين والوطن صراع، بل الصراع الحقيقي في العقول الساذجة , فالدين أكبر من أن يُقاس بالمادة، لأنه عقيدة تتجاوز حدود الزمن، وتبقى معنا حتى بعد الموت. أما الوطن، فهو إطار يحتضن أبناءه، وقد يحتضنهم أو لا, فكم من أبناء طُردوا من أوطانهم، واحتضنتهم غربات بعيدة! , كما قيل: الغربة مع المال وطن، والفقر في الوطن غربة , لكن الدين ليس كذلك. لا يُستبدل، لا يُشترى، ولا يُباع , لأنه ارتباط بالحق، والتزام بالقيم، وتجسيد للأخلاق , من ترك وطنه ظلّ يحمل اسمه، ومن تخلّى عن دينه خسر هويته , إن الوطن قد يخذلنا في لحظة، أما العقيدة فلا تخذل صاحبها أبدًا , وكم من غرباء جاؤوا وضحّوا بأرواحهم من أجل العراق لا لأنه وطنهم بالولادة، بل لأن فيه مراقد أهل البيت، لأن فيه قداسةً تستحق أن تُفدى، ورموزًا لا تُنسى , بل كم من وصايا رجال أوصوا أن يُدفنوا في النجف، رغم أن بلدانهم على بعد آلاف الكيلومترات، لأن الرابط كان العقيدة، لا الجغرافيا, هذا الحديث ليس ترفًا فكريًا، ولا مجرد جدل بين قوميين ومتدينين، بل واقع يجب أن يُفهَم بعقل وصدق , إنه دعوة للتفريق بين مَن يرفع شعار الوطن من أجل المصالح، وبين من يحمل العقيدة الحقّة من أجل القيم والحق.


الخميس، 17 يوليو 2025

 

دكاكين الفتنة..

 وأعداء آل محمد في السنوات الأخيرة، تزايدت آلاف البثوث المباشرة والمناظرات الموجهة لا لطلب الحقيقة أو نشر الوعي، بل للتهريج وإثارة البغضاء بين الناس، خاصة ما يصدر عن أشخاص مثل: رامي عيسى، ووليد إسماعيل، وهاشم الهندي، وعدنان عرعور، وغيرهم ممّن امتهنوا مهاجمة المذهب الشيعي بصورة ممنهجة. هؤلاء ليسوا دعاة حق ولا باحثين عن إصلاح، بل هم واجهات لمشاريع مدفوعة من جهات سياسية وطائفية لا تريد خيرًا بالناس، بل تسعى إلى إشعال الفتنة , نعم، لا ننكر أن في الوسط الشيعي أيضًا من ابتلي بنفس هذا المنهج، وهم كذلك أدوات بأيدي أطراف لا تقل خطورة، يذكون نيران الطائفية ويكرّسون الكراهية , لقد كانت ولا تزال هذه الفتنة وسيلة للارتزاق، عاش عليها من قبلهم كثيرون، يقتاتون على التحريض والانقسام، بينما عامة الشعوب – بكل أطيافها ومذاهبها – يعيشون معًا، ويتعاملون بسلام، ويقدّر بعضهم عقائد البعض، بل يفخر كثير من الناس بعلاقاتهم الطيبة مع أتباع مذاهب مختلفة  , لكن الخطر يكمن في العدو "الوهمي" الذي زرعه أعداء آل محمد (ص) جيلًا بعد جيل، فزرعوا في الأذهان أن:الشيعة أعداؤكم، الشيعة يجب محاربتهم، الشيعة يجب حرقهم، الشيعة يجب طردهم!"ويا للعجب! فبينما يُحرّضون على الشيعة الموحدين، يتحدثون بلغة التسامح والتعايش مع اليهود وغيرهم، ويغضّون الطرف عن كل ما سواهم! , هذه الأفكار المتحجرة والناقصة، في حقيقتها ليست موجهة ضد الشيعة فحسب، بل هي موجهة ضد علي وآل علي (ع) بصريح العبارة، وضد قيم الإسلام الأصيلة التي تمثّلها مدرسة أهل البيت.

الشيخ عادل الزركاني


الأربعاء، 16 يوليو 2025

 الهجمة على الدين وأهله.. قديمة مستمرة.

الهجوم المنهجي على الدين والمتدينين ليس أمرًا جديدًا، بل هو قديم قِدَمَ الصراع بين الخير والشر، بين أهل الصلاح وأهل الانحراف، منذ اللحظات الأولى من الخليقة. وقد سجّل القرآن الكريم مواقف صريحة تكشف طبيعة هذه العداوة، فحين واجه الأشراف من قوم لوط حملة الانحراف، لم يدّعِ أولئك القوم أنهم أفضل منهم، بل قالوا بوقاحة:{أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون}, أي أنهم يرفضون وجود الطاهرين والعفيفين في مجتمعهم، لأن الطهارة تفضح قذارتهم، والعفاف يكشف انحرافهم، ولهذا طالبوا بطردهم , أما اليوم، فإن التاريخ يُعيد نفسه. فهؤلاء الشواذ فكريًا وسلوكيًا، رغم وضوح أقوالهم وأفعالهم المنحرفة، يحاولون بكل وقاحة أن يتهموا المتدينين ويشوّهوا صورتهم: تارةً بالسخرية، وأخرى بالتشويه، بل ويذهبون أبعد من ذلك حين ينسبون إليهم أفعالًا منحرفة هم وأتباعهم أول من يمارسها , والمصيبة أنهم لا يرون في أنفسهم باطلًا، بل يرفعون صور من مات منهم على أنه "شهيد في سبيل الله"، رغم أنه لا يعرف الله ولا دينه، بل كان ساخرًا من المقدسات، متجاوزًا على القيم، غارقًا في وحل السفالة والتدنّي. والغارق لا يرى ما حوله، كما أن الصرصار الخارج من أنابيب الصرف الصحي يختنق من هواء نظيف لم يعتده، ويموت خارج أجوائه القذرة , هكذا هم، كلما واجهوا نقاءً أو طهارةً أصيبوا بالاختناق! , إنهم لا يرون في القيم والدين سوى "تخلف ورجعية ودجل"، لأنهم غارقون في أيديولوجيات منحرفة، لا يعترفون بغيرها، بل يعتبرون ما سواها خطأً مطلقًا. وعندما يشنّ هؤلاء حربًا ممنهجة على الدين والقيم، فإنهم يفعلون ذلك تحت شعارات كاذبة، لا تختلف كثيرًا عن شعار قوم لوط , وهم اليوم يرددون: "نحن في القرن الواحد والعشرين، وأنتم ما زلتم تتحدثون عن دين، وأخلاق، وحجاب، وعباءة؟", ويزعمون أن هذه الأمور "تقليدية" لا تليق بالأذواق العصرية، وأن التقدّم الحقيقي يكمن في التعرّي والانحلال، وأن الحرية تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء، ولو خالف كل العقائد والأعراف , لكن الحقيقة أن كل سخرية من الشرف هي فضيحة أخلاقية لهم، وكل استهزاء بالعفاف شهادة على إفلاسهم القيمي. فالحرب لم تكن يومًا بسبب عيب في المتدين، بل لأن المتدين يُزعج المنحرف، ويحرجه، ويفضح زيفه .. وإذا سأل أحدهم فتاة سافرة عن سبب هجائها للمحجبة، تقول: "هل كل من تلبس عباءة شريفة؟ "وهي تعلم جيدًا أن الذنب ليس في العباءة، بل فيمن تسيء استعمالها. فالأصل في الحجاب والعباءة أنهما عنوان ستر وعفاف، ومن تخرج عنهما لا تمثل إلا نفسها , لكننا نعيش اليوم في صراع غريب: محجبة تحرص على ألا يظهر شيء من مفاتنها، وسافرة تسعى بكل وسيلة لإبراز كل موضع إغراء، حتى لو لجأت إلى الأطباء لتحسين أو إبراز تلك المناطق، في مشاهد مخجلة لا تمتّ للذوق والحياء بصلة , والأغرب أن هؤلاء — رغم تناقضهم الظاهر — يشاركون أحيانًا في بعض الممارسات الدينية، لا احترامًا لها، بل بهدف خبيث: لتسفيه المقدسات، وتسخيف القيم، وتفريغ الرموز الدينية من معناها. يرتدون العباءة أو يستخدمونها في عروض إعلامية مشوّهة، لا اعترافًا بقداستها، بل لتوصيل رسالة ماكرة: أن هذه الرموز لم تعد لها قيمة , لكن الحقيقة تبقى ساطعة: المحترم يبقى محترمًا، والعفيف عنوانه واضح، مهما قالوا أو فعلوا , والعباءة ليست مجرد قطعة قماش، بل هي راية من رايات العفة، ورمز أخلاقي عميق، لا يفهمه إلا من تربّى على الطهارة والكرامة , وكل محاولة لتسخيف هذا العنوان الشريف، أو جره إلى وحل الانحراف، لا تعكس إلا شخصية صاحبها، ونوع البيئة التي نشأ فيها، فـفاقد الشيء لا يعطيه , ومن السذاجة أن يُتابَع هؤلاء، أو يُؤخذ كلامهم على محمل الجد، إلا من كان على شاكلتهم… لكنه لم يصرّح بعد!...


الثلاثاء، 15 يوليو 2025

 

الادّعاءات لا تكفي وحدها – الجزء الثاني

الشيخ عادل الزركاني

كيف نميّز هؤلاء المدّعين؟ , وما هي العلامات الفارقة بينهم وبين أهل الحق؟ , من أجل الإجابة، دعونا نستعرض هذه القصة التراثية التي تُجسّد حال المدّعين بأسلوب بسيط وواقعي: يُروى أن رجلًا غريبًا، أبيض اللحية، فصيح اللسان، جاء إلى مدينة وسكن أحد أحيائها الشعبية. كان يخرج كل صباح، يجلس أمام بيته حاملاً قلمًا وكتابًا، حتى المساء , وفي أحد الأيام، اقترب منه أحد شبان الحي مرحبًا وسأله عن سبب مجيئه. فقال له الرجل بثقة:"أنا داعية وعلامة، لا أعمل شيئًا سوى نشر العلم، وقد منحني الله ميزة لا توجد عند غيري: أستطيع أن أُجيب عن أي سؤال في أي علم من علوم الأرض، فورًا، وبلا تردد، وبشكل يقيني , اندهش الشاب مما سمع، وسرعان ما انتشر الخبر في الحي، فتوافد الناس على الرجل، حاملين الهدايا، وبدأوا يطرحون عليه أسئلتهم، وهو يجيب بسرعة مذهلة، بأسلوب يبدو مقنعًا وسلسًا , كبرت الهالة حوله، وبدأت الأحياء المجاورة تتوافد عليه، وظنّوا أنهم أمام عالمٍ رباني قلّ نظيره! , لكن كان هناك شاب متخصّص في الفقه والأدب، راقب الأمر، وأدرك من طريقة الإجابات وحديث الناس أن هذا الرجل محتالٌ بارع، يستخفّ بعقول البسطاء ويستغلّ سذاجتهم , لم يثر الشاب الموضوع مباشرة، بل قال للناس: عند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان. تعالوا نؤلف كلمة لا وجود لها، نأخذ أول حرف من كل اسم من أسمائكم، فكانت الكلمة: خنفشار .. ثم ذهبوا جميعًا إلى الرجل وسألوه عن معنى ("الخنفشار)؟", فأجاب بثقة: هو نبات ينبت في أطراف الصحراء، وقد ذكره فلان، وقال فيه كذا وكذا..." واسترسل يروي من الخيال ما يُدهش السامعين! , هنا سقط القناع، وسخر الناس منه، وانفضح أمره، فرحل عن المدينة إلى غير رجعة , الشاهد من القصة واضح: ليس كل متحدث بعالم، وليس كل مظهر يدل على الجوهر. السؤال الحقيقي: هل تعلم ما يقول؟ وهل أنت من أهل التخصّص حتى تُصدّقه؟ , هل هذا الشخص درس الفقه؟ علم الأصول؟ علم الرجال؟ الدراية؟ الجرح والتعديل؟ المنطق؟ الفلسفة؟ , إذا لم يكن كذلك، فكيف أصبح بين ليلة وضحاها "مرجعًا" و"عالمًا" و"وحيد دهره"؟ , ثم إنّ من يناظر فليكن أهلاً للمناظرة، ومن يُفتي فليكن أعلم من الناس، وإن كان الحُكم هو الأعلم، فالعقل والشرع يفرضان علينا اتباعه لا مخالفة قوله باسم الحرية والتفكير , العلم ليس صراعًا، ولا هو ساحة لتضخيم الذات، بل العلم نفعٌ وتواضع، وكلما ارتقى العالِم، زاد تواضعه، وابتعد عن مظاهر الزينة والرياء , وقد نُقل عن أحد تلامذة السيد الخوئي (قدس سره) أنه لاحظ بعد وفاة السيد الحكيم وتصدّي السيد الخوئي للمرجعية، أن مظهره تغيّر قليلًا، فلاحظ عليه ملابس جديدة وقميصًا نظيفًا تحت العباءة، فقال لصاحبه: "السيد لم يعد كما كان حين كان أستاذًا فقط , فسأله تلميذه بأدب: "سيدنا، الآن بعد أن أصبحت المرجع الأعلى، هل تغيّرت عن السابق؟", فقال السيد الخوئي بكل بساطة: الذي يطلب المرجعية إما مجنون، أو لا دين له! أنا أرى الأستاذية والدرس أفضل من هذا التصدي، لأن المرجعية مسؤولية، وتحمّل، وانشغال عن العلم والبحث والتأليف , العالِم لا يطلب المرجعية، بل هي التي تأتي إليه , وتلك علامة فارقة بين أهل الحق والمدّعين , وفي زمن اختلطت فيه المفاهيم، نحتاج إلى ميزان، لا تحكمه العاطفة، بل العقل والشرع والتجربة، ونحتاج إلى وقفة صادقة مع الذات:من نتّبع؟ ومن نُصدّق؟ ومتى نُحسن الظن؟ ومتى نُحذّر؟


 

الادّعاءات لا تكفي وحدها

الشيخ عادل الزركاني

الادّعاءات وحدها لا تعني شيئًا، وليست ذات قيمة حقيقية، فكم من أناسٍ ادّعوا النبوة أو الولاية، أو زعموا أنهم مرسلون من الله تعالى، أو مراجع دين وأئمة هدى! , كل شخص يمكنه أن يدّعي ما يشاء، لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُطرح هو: على ماذا يبني هذا المدّعي ادّعاءه؟ , وهل يمكننا كشف زيفه وكذبه؟ , أهل العقول والبصائر لا يحتاجون إلا دقائق معدودة لتمييز الحق من الباطل، وأما من التبس عليه الأمر، فعليه أن يتأمل ويتدبّر حتى تتجلّى له الحقيقة. أما الدخول في الشبهات بغير علم فهلاك محقّق، والخروج منها ليس بالأمر الهيّن، تمامًا كمن لا يُجيد السباحة فيُقْدم على القفز في عرض البحر، واهمًا أنه سيتعلم السباحة هناك! , بل إن بعض المدّعين يُصدّقون أكاذيبهم كما حصل مع ذاك المجنون الذي أوهم الأطفال بوجود وحشٍ قادم، ففرّوا هاربين، وكان هو أول من هرب، خائفًا من الكذبة التي اختلقها! هكذا تجدهم يُغذّون وهمهم ويعيشون فيه، رافضين أي صوتٍ يعارضهم، مُدّعين أنهم أصحاب الحقيقة المطلقة , وبعضهم منهم لم يدرسوا يومًا في الحوزة، تعلموا فقط بعض الحركات والجدليات السطحية، ثم نصّبوا أنفسهم دعاة أو مراجع، وأصبح كلٌّ منهم يتباهى على الآخر بـ"أنا وأنا"، بينما هم يمارسون الانحدار الأخلاقي بأبشع صوره: سبّ، وقذف، وشتائم نابية، وتجاوز على الذات الإلهية والأنبياء والأولياء، بحجة أن "الله غير الله الذي تعرفونه"، و"النبي غير النبي الذي تعتقدون به"! وهذه مغالطة الجهّال , الله سبحانه هو الله، عرفه الجاهل أو أنكره، والنبي (ص) هو هو، مهما أنكر المغالون أو شوّهوا سيرته. هذا الخلط الخطير بين الجهل والعلم، حين يتحوّل الجهل إلى ما يُسمّى علمًا، هو أخطر أنواع الانحراف، لأنه يجمع بين الضلال الفكري والانهيار الأخلاقي بشكلٍ متحجّرٍ عنيد , وهؤلاء يقتلون أنفسهم من أجل وهم داخلي صنعوه، وربما يصرّحون بأفكار لا يؤمنون بها أصلاً، لكنهم مضطرون للبقاء في كذبتهم حفاظًا على ما يعتقدونه "مكانة" أو "نفوذًا"، فيستمرّون في غيّهم وعنادهم , يبقى السؤال الجوهري: كيف نميّز المدّعي في عصرٍ اختلطت فيه المفاهيم، وتزعزعت فيه القيم والأخلاق؟ , أعتقد أن الأمر ليس بالصعب إذا رجعنا إلى ذواتنا، وتحكّمنا في عواطفنا، وتحرّرنا من أهوائنا، ومن أسر النفس الأمّارة بالسوء، وما تراكم فيها من رواسب وأوهام , علينا أن نرتفع عن سطح الأحداث، وننظر إليها بعين الباحث النزيه، لا المتعصّب المتشنّج , ثم نسأل أنفسنا: هل هذا المدّعي، أو ذاك الكاذب، يسير على نهج آل محمد (عليهم السلام)؟ , هل هو ملتزم بأخلاقهم، بسلوكهم، بمنطقهم، بطريقتهم في الحوار والعمل؟ , النهج هو المعيار، لا الشعارات، ولا الألقاب، ولا الادّعاءات الجوفاء , ثم نأتي إلى ركنين مهمين في شخصية العالم الرباني: العلم والحِلم , القضايا العلمية والنظرية الدقيقة لا تُعرض على عامة الناس ليقيّموها بالأذواق والانطباعات، بل تُناقَش وتُختبَر في ميدان العلم على أيدي أهل الاختصاص. ولذلك، فإن تقييم الادّعاءات العلمية أو الدينية من اختصاص أهل العلم والمعرفة، لا العوام، ولا متابعي وسائل التواصل , أما من يُطلق على نفسه ألقابًا ضخمة من قبيل: "فقيه الزمان" أو "عالم العصر"، فليعلم أن كلمة عالم ليست مجرد وصف أو رتبة اجتماعية، بل مفهومٌ مركّبٌ عميق، ذو دلالات أخلاقية، روحية، واصطلاحية , ولا يناله من لا يستحقه، ولا يصله من لم يُطهّر نفسه، ويُنمِّ علمه، ويصبر على طريق التهذيب والبناء , العقل والحقّ يشهدان أن أغلب هذه الدعوات الطارئة التي نسمع عنها اليوم، هزيلة ومخجلة، لا تمتّ للعلم ولا لأهله بصلة. أصحابها كذّابون دجّالون، هدفهم استغلال البسطاء والسذّج من الناس، وتمزيق الصفوف، وإبعاد الناس عن سبيل الهدى، وتشويه المقدّسات.

 


اعتزاز حسن... حين انتصر الإنسان على الموت دعنا من ضجيج الخلافات الفقهية، ومن معارك الكلمات التي استهلكت القرون؛ هذا يسب، وذاك يرد، وهذا يؤ...